كان ابن يعيش يميل إلى آراء أبي عليّ في كثير من المسائل النّحويّة، ولكن يجب ألاّ يفهم من هذا أنّ تبعية ابن يعيش للفارسيّ هي تبعية عمياء، وإنّما كانت تلك التبعيّة التي تعتمد الدّليل، وتستخدم المنطق، وتتبين الحجّة والبرهان، ولا أدلّ على ذلك من أنّ ابن يعيش قد خالف الفارسيّ عندما لم يرَ في رأيه القوة والبرهان الدافعين إلى التبعيّة، فهو لا يقبل الرأي إلاّ بعد تمحيص وتدقيق وبحث ومناقشة، فإذا صحّ هذا الرأي في نظره قبله أيًّا كان مصدره، وإذا لم يصحّ مِن وجهة نظره رفضه. فهو لا يتقيّد بمذهب معين، ولا يعتدّ بعالم معيّن بحيث لا تناقش آراؤه..
وسنورد هنا بعض المسائل التي خالف فيها ابن يعيش أبا عليّ الفارسيّ.
أولًا:مسائل الأسماء:
1ـ الأسماء الستة:
ذهب الفارسيّ إلى أنّ سبب إعراب الأسماء الستة بالحروف، كونها حروف إعراب، ودوالًا على الإعراب، وليس فيها إعراب مقدّر [1] . فقد جمع بذلك بين قول الأخفش، وقول سيبويه الذي أخذ به ابن يعيش في كونها"حروف إعراب والإعراب فيها مقدّر كما يقدّر في الأسماء المقصورة، وإنّما قُلِبت في النصب والجر للدّلالة على الإعراب المقدّر فيها.." [2] وهذا الرأي هو ما استقرّ عليه معظم النحّاة. وإن كان مذهب الفارسيّ مذهبًا مستقيمًا لا يخلو من المتانة.
2ـ المبتدأ والخبر المعرفتان:
(1) ـ ينظر المسائل العضديات، ص61-64، والكتاب، 3/358، والتبيين عن مذاهب النّحويين، ص199.
(2) ـ شرح المفصّل، 1/52، وينظر الإنصاف في مسائل الخلاف في مسائل الخلاف، 1/71.