الصفحة 31 من 47

يرى أبو حاتم الرازي (ت 322 هـ) أنّ تطويل الصّوت ـ أي مدّه ـ يدلّ على معنى الندّاء، وعلى معنى الشكاية [1] ، فربط مدّ الصوت بالمعنى، وهذا أمر لا يمكن إدراكه إلا بالكلام المنطوق، ويقصر الكلام المكتوب على نقله، وهذا ينقلنا إلى الحديث عن أهمية المشافهة في نقل التنغيم.

ويؤيد هذا الرأي ما ذكره بعض الباحثين من أن الخطاب المكتوب يعتمد في نقل المعنى على البنية اللغوية، لأنّه يفتقر إلى السياقات الوجودية الكاملة العادية التي تحيط بالخطاب الشفاهي، وتساعد على تحديد المعنى فيه، مستقّلة في ذلك إلى حدّ ما عن القواعد النحوية [2] .

ولقد كان للمسلمين في التلقي الشفهي مناهج دقيقة، إذ كانوا يرون أنّ النقل من الأفواه هو النقل السليم الذي ينفي كلّ لبس يعتريه، كما أدرك علماؤنا وجوه المخاطبات والخطاب في القرآن الكريم التي لا تخرج عن إطار العادات النطّقية السّليمة التي تسهم في تعزيز المعنى وإفهامه دون مبالغة، ولا تخرج عن كونها تلوينات صوتيّة تدخل ضمن التنغيم السليم للنصّ القرآني، وقد تحدّث الإمام الزركشي (ت 794هـ) في كتابة (البرهان) عن وجوه المخطابات والخطاب القرآني، ويذكر أنّها تأتي على نحو من أربعين وجهًا، وإدراكه لتنوّع الأساليب في القرآن

(1) أبو حاتم الرازي، كتاب الزينة، تحقيق حسين بن فيض الله الهمذاني، مطبعة الرسالة، القاهرة، 1985م، 2/28.

(2) أونج، والترنج، الشفاهية والكتابية، ترجمة د. حسن البنّا عز الدين، سلسلة عالم المعرفة، (182) ، الكويت، 1994م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت