الصفحة 29 من 47

همزة الاستفهام في الكلام، فيصبح الكلام بلفظ الإخبار، ويدلّ المعنى على الاستفهام، قال تعالى: { وإذِ ابتلى إبراهيمَ ربُّهُ بكلمات فأتّمهنّ، قال: إني جاعلك للنّاس إمامًا، قال ومن ذرّيّتي قال لا ينال عهدي الظالمين... } البقرة (124) . والتقدير أو من ذريّتي ؟

وتابعه الأخفش (ت 210هـ) فأوضح أن قوله تعالى: { وتلك نعمة تمنّها عليّ } سورة الشعراء (22) . فهذه الآية الكريمة تقرأ بنغمة صوتية مستوية، مفيدة الاستفهام، وملاك القول فيها أنّ الاستفهام مفهوم من سياق الجملة بما يرافقها من تنغيم هو في الأصل صورة من صور التعبير، إذ النظرة الأولى إلى هذه الآية مكتوبة توهم أنّها لا تكون إلا جملة خبرية إثباتية، ولكنّها قد تكون بالتنغيم إنشائية استفهامية. وعلى تقدير الاستفهام، أتمنّها عليّ .. ؟

والجدير بالذكر أن حذف همزة الاستفهام والتعويل في ذلك على التنغيم والإيقاع أمر جاء عند جمهور النّحاة، مع وجود ما يشير إلى العكس، من ذلك ما جاء في قصّة امرئ القيس مع جواريه اللواتي ذبح لهنّ ناقته، فقد قال لهنّ في هذه القصّة: إن نحرت لكنّ ناقتي تأكلنّ منها ... قلن [1] : نعم ... فواضح أن الاستفهام هو المراد من التركيب، وأنه ليس فيه ما يعبّر عن هذا المعنى سوى التنغيم الخاصّ به، وواضح أنّ الجواري فهمن قصد امرئ القيس دونما حاجة إلى استخدام حرف استفهام، ممّا يعني أن التنغيم هو الأداة التي عبّر بها امرؤ القيس عن الاستفهام، وفهم الجواري هذا المعنى، ولكنّ النّحاة ـ لأنّهم لم يعنوا بقرينة التنغيم ووظيفتها .. يرون أن ثّمة حرف استفهام محذوفًا. لا يستقيم المعنى، ولا أصول الصناعة النحّوية إلاّ به، والتقدير عندهم في قول امرئ القيس: إن نحرت لكنّ ناقتي أتأكلنّ منها ... ؟ وفي مثل ذلك قول عمر بن أبي ربيعة:

(1) التبريزي، أبو زكريا يحيى بن محمد، شرح القصائد العشر، تحقيق د. فخر الدين قباوة، ط4، (د.ت) ، بيروت، ص 38.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت