إذ تبدو الآية الكريمة بهذا القدر استفهامية ـ للوهلة الأولى ـ بناء على القرينة اللفظية، وهي أداة الاستفهام (هل) إذا نظرنا إليها مكتوبة، فإذا عرضناها على أسماعنا من أفواه القرّاء، أو نظرنا إليها في سياق المعنى القرآني، لم تكن الجملة استفهامية، والقرينة التي كانت لها الغلبة على (هل) هي المعنى والتنغيم المعبّر عنه، وبهذا تجردّت الجملة من معنى الاستفهام، مع توافر قرينة الاستفهام اللفظة المعروفة إلى التقرير أو النفي.
من الإشارات الواضحة التي تدّل على إدراكهم علاقة تنغيم الجملة وطريقة قراءتها بالمعنى، ما ذهب إليه ابن الشجري (ت 542هـ) في أماليه [1] عن ورود الاستفهام بمعان متباينة، وذلك عندما قال توبيخًا، كقوله تعالى: { أكذبتم بآياتي، ولم تحيطوا بها علمًا، أفبالباطل تؤمنون ـ أتعبدون ما تنحتون ـ كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم } البقرة (28) .
وكذلك هي توبيخ من قرأها بلفظ الخبر، وذكر الفراء (ت 207 هـ) أنها تخرج إلى التوبيخ والتعجب، فالمعنى ويحكم كيف تكفرون...! ؟، وذكر ابن قتيبة (ت276هـ) أنها للتعجب، وتبرز أهمية التنغيم في التأويل النّحوي، ويمكن أن نأخذ مثلًا الخلاف في همزة"الاستفهام: فقد ذكر الفرّاء أنه يجوز حذف [2] "
(1) ابن الشجري، ضياء الدين أبو السعادات، هبة الله بن علي بن حمزة العلوي، الآمالي الشجرية، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، ص265.
(2) الفرّاء، معاني القرآن، تحقيق أحمد يوسف نجاتي، محمد على النجار، طبعة دار الكتب المصرية للتأليف والترجمة، 1955، 1/76.
ـ الأخفش الأوسط أبو الحسن سعيد بن مسعده المجاشعي، (معاني القرآن) ، تحقيق د. فايز فارس، ط1، المطبعة العصرية، الكويت، دار الكتب الثقافية، 1979، ص309.
ـ ابن قتيبة، محمد بن عبدالله بن مسلم بن قتيبة، تأويل مشكل القرآن، تحقيق سيد أحمد صقر، ط1، القاهرة، 1954، ص396.
ـ ابن هشام، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، تحقيق د. مازن مبارك، ط4، بيروت، 1/7-8.
ـ المرادي الحسن بن قاسم، الجتي الداني في حروف المعاني، تحقيق د. فخر الدين قباوة، والأستاذ محمد نديم فاضل، الطبعة الثانية، منشورات دار الأفاق الجديدة، بيروت، 1983، ص 34.