نلاحظ أن لا وسيلة عند تضاّم الاستفهام مع التعجب واستحالته إلى الخبر سوى الوسيلة التنغيمية التي تحوّل المعاني ذات اللفظ الواحد من معنى إلى آخر، والحقيقة أن هذا الأسلوب، أي تحوّل الدلالة للفظ الواحد إلى عدة معان هو من الأساليب المعروفة والشائعة في العربية قديمًا وحديثًاُ.
وكقوله تعالى: { هل يستوي الّذين يعلمون والّذين لا يعلمون } الزُّمَر (9) ، فهذا الاستفهام لا يحتاج إلى إجابة، وإنّما الغرض منه النّفي، والسّامع يعرف من ذلك، ويدركه من تنغيم الجملة وحسب، لقد نقل التنغيم الجملة من معنى الاستفهام إلى معنى النّفي، وهو ما نستخدمه كثيرًا في لغتنا المعاصرة، فنقول مثلًا: (كيف تعادي أباك .. ! ؟) بلفظ الاستفهام، ونحن نريد التعّجب والإنكار، وهو ما يؤديه تنغيم الجملة.
وقد جعل خالد الأزهري (ت 905هـ) في شرح التصريح على التوضيح [1] الصيغة السّماعية (لله درّه فارسًا) دالة على التعجّب بالقرينة، لا بالوضع، إذ يقول عنها: إنما لم يبوب لها في النحّو، لأنهّا لم تدلّ على التعّجب بالوضع بل بالقرينة، والقرينة لا تخرج عن إطار الصورة التنغيمية للعبارة التي تؤكدّ أن المراد بها الكلام التعجبّي، وليس أمرًا آخر غيره. وذكر الآمدي (ت 370هـ) أنّ الجملة الاستفهامية تفيد معنى الخبرية [2] ، إذ يخرج الاستفهام إلى معنى التقرير أو النفي، وذلك كقوله تعالى: { وهل نجازي إلاّ الكفور ... } سورة سبأ (17) .
(1) الأزهري خالد بن عبدالله، شرح التصريح على التوضيح، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، 2/86.
(2) الآمدي، أبو القاسم الحسن بن بشر بن يحيى، الموازنة، 1/211-214.