الصفحة 26 من 47

وأشار المبرّد (ت 286 هـ) إلى دور المتكلّم في تحديد معنى الجملة من خلال الإطار الصوتي الذي يضعها فيه، فيوظف التنغيم للتعبير عن المعاني النحّوية، فالجملة الاستفهامية قد تخرج عن معناها، وتحمل معاني أخرى، كالتوبيخ، والإنكار، بوساطة تنغيم خاصّ تؤدّى به، وذلك قولك: (أقيامًا وقد قعد الناس ؟) [1]

لم تقل هذا سائلًا، ولكن توبيخًا لما هو عليه. والقرينة التي كانت لها أداة الاستفهام (أ) هي المعنى والتنغيم المعبّر عنه، وبهذا تجردت الجملة من معنى الاستفهام، مع توافر قرينة الاستفهام اللفظية المعروفة إلى التوبيخ، وذكر ابن جني (ت 392هـ) أنّ لفظ الاستفهام إذا ضامّه معنى التعجب استحال خبرًا [2] ، وذلك قولك: (مررت برجل أيّ رجل) ، فأنت الآن مخبر بتناهي الرجل في الفضل، ولست مستفهمًا، وكذلك قولك: (( مررت برجل أيّما رجل ) )لأن همزة (ما) زائدة ثّم يقول متابعًا، ومن ذلك لفظ الواجب إذا لحقته همزة التقرير عاد نفيًا، وإذا لحقت لفظ النفي عاد إيجابيًا، وذلك كقوله تعالى: { أأنت قلت للنّاس اتخذوني ... } سورة المائدة (116) .

أي ما قلت لهم، و نستبعد أن يكون قصد ابن جني أن هذه الهمزة بذاتها هي التي أفادت النفي، ويمكننا القول: إنه لدخول هذه الهمزة على الجملة التقريرية غيّرت من طريقة تنغيمها، وغيّرت من دلالتها، فأصبحت تفيد النفي بدلًا من التقرير.

وقوله تعالى: { الله أذن لكم } يوسف (59) أي لم يأذن لكم، وأمّا دخولها على النفي كقوله تعالى: ألست بربكم قالوا بلى شهدنا... الأعراف (172) . أي: إنّا كذلك...

(1) المبرِّد، أبو العباس محمد بن يزيد، المقتضب، تحقيق محمد عبد الخالق عضيمة، ط1، نشر المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، أربعة أجزاء في أربعة مجلدات، القاهرة، 1385-1388هـ، 3/228.

(2) ابن جني، أبو الفتح عثمان بن جني، الخصائص، تحقيق محمد علي النجار، ط2، دار الهدى للطباعة والنشر، 2/370-371.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت