الصفحة 25 من 47

ويرى السيوطي (ت 911هـ) أن التنغيم حقيقة صوتية نطقية في تأويل المعنى، إذ يقول: حدّثنا المرزباني عن إبراهيم بن إسماعيل الكاتب، قال: سأل اليزيديّ الكسائي (ت 189 هـ) بحضرة الرشيد، فقال: انظر أفي هذا الشعر عيب؟ وأنشده: لا يكون العيرُ مهرًا ... لا يكون المهرُ مهرُ

فقال الكسائي: (ت 189 هـ) قد أقوى الشاعر، فقال له اليزيدي: انظر فيه، فقال: أقوى لابدّ أن ينصب"المهر"الثاني على أنه خبر لـ"يكون"، فضرب اليزيديّ بقلنسوته الأرض، وقال: أنا أبو محمد.. الشعر صواب، إنّما ابتدأ فقال:"المهر مهر" [1] ... لم يفطن الكساتي لما رآه اليزيديّ الذي استخدم شيئًا جديدًا في تفسير البيت، وهو"الوقف"أو قل التنغيم الذي جعل جملة (لا يكون) التي ضغط عليها حين النّطق، وأخذت مطّا صوتيًا، لم يعهد لها بعيدًا عن هذا السياق ـ لا صلة بينها وبين ما بعدها، فهي توكيد لما قبلها من حديث.

وأرى أن اليزيديّ تقصّد أن يوقع الكسائي بالخطأ، فقرأ البيت للكسائي بنغمة توحي أن به لحنًا، وعندما أوّل معنى البيت، قرأ البيت بتنغيمه الصحيح (بوقف) عند جملة (لا يكون) ، والابتداء بجملة (المهر مهر) ، وذلك من باب المنافسة بينه وبين الكسائي. وهكذا نرى أن التنغيم في نطق الجملة ينقلها من باب نحويّ إلى باب نحويّ آخر، ويظهر ذلك بارتفاع الصوت، أو انخفاضه في أثناء النّطق للتعبير عن معان مختلفة في نفس الإنسان، والجملة قد تعتمد على التنغيم المصاحب لنطقها لبيان معناها دون أن يكون في تركيبها ما يدلّ على هذا المعنى..

(1) السيوطي، الأشباه والنظائر، تحقيق إبراهيم محمد عبدالله، منشورات مجمع اللغة العربية، 1986م، 3/245.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت