الصفحة 21 من 47

ومن هذا القبيل خلافهم في إعراب (ما) ، في قوله تعالى: { أو لم يتفكروا ما أصابهم من جِنّة، إن هو إلاّ نذير مبين } سورة الأعراف (184) . فقد قيل: إنّ (ما) في هذه الآية الكريمة نافية، والمعنى أولم يعلموا انتفاء الجنون عن صاحبهم، وقيل: إنّها استئنافية، استفهامية، والمعنى: أو يتفكَّروا أيّ شيء بصاحبهم من الجنون مع انتظام أقواله وأفعاله.

وقيل: إنّ (ما) موصولة، والكلام إثبات، وعلى ذلك يكون الكلام خارجًا على رغم المشركين، ولكّن أبا حيّان (ت 745 هـ) [1] ضعّف حمل (ما) على الموصولية، كما ضعّف حملها على الاستفهام.

ولاشكّ أنّ التنغيم الخاصّ بمعنى الاستفهام عن التنغيم الخاص هو بمعنى التقدير والإثبات هو عنصر دلالي كبير يهدي إلى تفسير الجملة تفسيرًا صحيحًا [2] . ولولا (هذه القرينة لما كان هذا الخلاف في توجيه معنى مثل هذه التراكيب وإعرابها) . وقد يساعد التنغيم كذلك على التوزيع التحليلي للنصّ الواحد بحيث يمكن مع تنغيم معين أن يكون النصّ كلّه جملة واحدة ومع تنغيم آخر يكون أكثر من جملة، ومثال ذلك هذه الآية الكريمة:

قال تعالى: { قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين... } يوسف (75) يوزّعها التنغيم على جملتين، لكن تختلف عناصر كلّ منها، فقد تكون الجملة الأولى: جزاؤه من وجد في رحله، والتنغيم هنا إثبات. والجملة الثانية: فهو جزاؤه، والتنغيم هنا إثبات. وقد تكون الجملة الأولى هي: جزاؤه ... ؟ والتنغيم تنغيم استفهام.

والجملة الثانية: (من وجد في رحله، فهو جزاؤه) ، والتنغيم هنا تنغيم إثبات، ويسّوغ تنغيم الاستفهام في (جزاؤه) ؟ وقوعها بعد قوله تعالى: { قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين } يوسف (74) .

(1) أبو حيَّان الغرناطي الأندلسي، البحر المحيط، تحقيق عادل أحمد عبد الموجود، دار الكتب العلمية 1993م، 4/432.

(2) الأفغاني، سعيد، في أصول النحو، منشورات جامعة البعث، 1991م، ص 93-94.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت