الصفحة 20 من 47

فقد جعل بعضهم (على) ، في البيت زائدة شذوذًا، وجعلوا (مَنْ) موصولة المحلّ على أنها مفعول به للفعل (يجد) والمعنى والتقدير: (( إنّ الكريم يعمل بجد إن لم يجد من يتكل عليه، وزعم آخرون أن(على) غير زائدة، وأنّ (من) استفهامية، وأنّ المعنى والتقدير عندهم: إن لم يجد يومًا شيئًا فعلى من يتكّل ؟ وغنّي عن البيان أن غياب التنغيم عن عبارة (على من يتكّل) هو الذي أفسح المجال لهذا الخلاف في توجيهها، ولهذا السبب نفسّر خلافهم في إعراب (ما) من قوله تعالى { قال فبما أغويتني لأقعدَنّ لهم صراطك المستقيم } سورة الأعراف (16) .

فقد ذهب بعضهم إلى أنّها مصدرية، وأنّ المعنى والتقدير: (أقسم بإغوائك لي لأقعدنّ) ، أو بسبب إغوائك لأقعدنّ، وذهب بعضهم الآخر إلى أن (ما) استفهامية، وإلى أنّ التركيب على الاستفهام، والاستئناف، والتقدير بأيّ شيء أغويتني.. ؟ ثم ابتدأ مقسمًا، فقال لأقعدنّ ... [1] . ومثل ذلك يقال عن خلافهم في قول سالم بن وابصة:

ولا يؤاتيك فيما ناب من حدث ... إلاّ أخو ثقة فانظر بمن تثق [2] .

فقد ذهب بعضهم إلى أنّ (من) استفهامية، وأنّ الأصل (فانظر) ثّم استأنف فقال: بمن تثق....؟ وقيل إنّ الأصل فانظر من تثق به، فحذف الباء ومجرورها، وزاد الباء في (من) تعويضًا [3] .

ولولا تغييب الكتابة لقرينة التنغيم المميّز بين الإثبات والاستفهام لما كان هذا الخلاف في توجيه هذا البيت.

(1) أ بو حيان الغرناطي الأندلسي، البحر المحيط، تحقيق عادل أحمد عبد الموجود، دار الكتب العلمية، 1993م، 4/274-275.

(2) ابن هشام، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، تحقيق د. مازن مبارك، ط4، بيروت، 1/154.

-البغدادي، عبد القادر، شرح أبيات مغني اللبيب، تحقيق عبد العزيز رباح، 1983، 3/343-345.

(3) المصدر نفسه، 3/343-345.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت