غير أن العربيّة ـ كما هو ثابت ومعروف ـ تعتمد على الأداء، والترتيب، والتنغيم، وسنجد فيما نستقبل من كلامنا هذا أن ثمّة أمثلة لأساليب تخلو من الأدوات، ولكنها في الحقيقة أساليب لها دلالات واضحة مفهمة، والفيصل في ذلك هو التنغيم، وقد يمنح التنغيم التركيب المصّدر بالأداة تلوينًا مختلفًا يجعل الأداة والجملة المركبّة معها يعبّران عن أكثر من حالة، وبذلك يخرج الأسلوب المعروف إلى أساليب شتّى، وفي أحيان كثيرة تكون قرينة التنغيم، أعظم أثرًا من القرينة اللفظيّة، أي الأداة، بحيث تجردّها والجملة المركبّة معها من المعنى الذي تحمل عليه، فثمة جمل كثيرة تشتمل على أداة الاستفهام، لكنّها لا تحمل معنى الاستفهام، من ذلك قوله تعالى: { هل أتى على الإنسان حينٌ من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا } سورة الإنسان (1) . إذ تبدو الآية الكريمة بهذا القدر استفهاميّة ـ للوهلة الأولى ـ بناء على القرينة اللفظيّة، وهي أداة الاستفهام. إذا نظرنا إليها مكتوبة.
فإذا عرضناها على أسماعنا، من أفواه القرّاء، أو نظرنا إليها في سياق المعنى القرآني، لم تكن الجملة استفهامية. والآية الكريمة بصياغتها من أساليب التحقيق والتأكيد، ومن ثمة جعل أكثر النحّاة والمفسّرين (هل) بمعنى (قد) [1] ، والقرينة التي كانت لها الغلبة على (هل) هي المعنى والتنغيم المعبر عنه، وبهذا تجرّدت الجملة من معنى الاستفهام، مع توافر قرينة الاستفهام اللفظية المعروفة. ولهذا، فالقول بخروج (هل) عن معناها يجانبه الصّواب، لأنّ الاستفهام يفهم من التراكيب وما يصاحبها من قرائن معنوية وأدائية لا من الأداة وحدها.
(1) سيبويه، الكتاب المطبعة الأميرية، بولاق، 1316 - 1317 هـ، 1/100 ـ الزمخشري 1367- 1948م، الكشاف، القاهرة، 3/295.