كل ذلك كان من شأنه أن يسهل على معاوية مهمته في إقناع هؤلاء القوم بأحقيته في التمرد على الخليفة ومحاربته. ولاسيما أن معاوية تصرّف بحكمة وذكاء فلم ينكر خلافة علي ولم يشدّد على التشكيك بشرعية انتخابه وكأنه كان يدرك، على نحو ما،أن (الشورى مفهوم شرعية شكلية لا تؤثر إلا في مستوى الخاصة"النخب"وهي أقل فعلا وتأثيرا بالنسبة إلى القراء، وجميع القوى الإسلامية الأخرى، من فكرة العدل المتضَمّنة في طلب الانتقام لعثمان) (11) ، ولكنه،أيضا لم يعلن اعترافه بخلافته ولم يّدع لنفسه أحقية بالخلافة ، ولا راح يطالب بها،بل راح يطالب بالقصاص من الذين قتلوا عثمان، مدركا أن أحدا لن يستطيع أن يستجيب لمطالبته. وكان عمرو ابن العاص قد ذاكره، في أمر علي، ذات يوم، بعد مجيئه من فلسطين، وقال له: ( أما علي فلا تسوي العرب بينك وبينه في شيء ... قال( معاوية ) صدقت، إنما نقاتله على ما في أيدينا، ونلزمه دم عثمان ) (12) . وكذلك عندما دخل عليه أبو مسلم الخولاني في أناس من عباد الشام قال له: ( يامعاوية، قد بلغنا أنك تهم بمحاربة علي بن أبي طالب، فكيف تناوئه وليست لك سابقة ؟. فقال معاوية: لست أدعي أني مثله في الفضل، ولكن هل تعلمون أن عثمان قتل مظلوما؟. قالوا: نعم. قال: فليدفع لنا قتلته حتى نسلم إليه هذا الأمر ) (13) .