ويمكن أن نلاحظ أن الصفات الدينية تطغى على الصفات السياسية في شعر أنصار علي، وهذا يعني أنهم كانوا ينظرون إليه كزعيم ديني في المقام الأول، ولذلك نجدهم، في كثير من الأحيان، يشيرون إليه بلفظ (الإمام) ، وهو لفظ سيتردد كثيرا، أيضا، في شعر الشيعة في العصر الأموي. يقول العكبر بن جدير (6) :
الشامُ مَحْلٌ والعراق تُمْطَرُ بها الإمامُ والإمامُ مُعْذِرُ
أما معاوية، في الطرف الآخر، فلم تكن له شرعية كشرعية علي، ولم يكن له، أيضا، تاريخ نضالي كتاريخه، ولا رصيد عاطفي كرصيده، فلقد كان (من رجال إسلام الساعة الأخيرة،ابن خصم النبي وعدوّه. لقد كان وزنه عديما، بل إنه كان سلبيا في"الميتاتاريخ"التأسيسي) . (7) وباختصار ( كان الفرق بين الر جلين عظيما في السيرة والسياسة ) (8) . ومع ذلك لم يجد معاوية عناء كبيرا في تسويغ موقفه، وذلك لأسباب كثيرة من أهمها أن ولاية الشام كانت ترتبط منذ عشرات السنين بعلاقات خاصة مع البيت الأموي، بدءا بأمية بن عبد شمس (جد الأمويين) ومرورا برحلة الصيف الموسمية الشهيرة التي كان لهذا البيت أثر كبير في الزعامة التجارية فيها. وفي إطار الإسلام راحت هذه العلاقة تتطور، حتى إذا انتقل حكمها من يزيد بن أبي سفيان إلى معاوية بطريقة شبه وراثية، تبلورت العلاقة، وبدأت الشام تأخذ هويتها الأموية بهدوء وذكاء (9) . ثم إن معاوية كان قد استطاع، خلال مدة حكمه، أن يحظى بطاعة أهل الشام إلى حد مثير للدهشة، وقد بلغ من أمرهم في طاعتهم له - كما يقول المسعودي -: (أنه صلى بهم عند مسيرهم إلى صفين الجمعة في يوم الأربعاء، وأعاروه رؤوسهم عند القتال وحملوه بها، وركنوا إلى قول عمرو بن العاص: إن عليا هو الذي قتل عمار بن ياسر حين أخرجه لنصرته، ثم ارتقى بهم الأمر في طاعته إلى أن جعلوا لعن علي سنة، ينشأ عليها الصغير، ويهلك الكبير ) (10) .