وكون علي يقاتل تحت لواء النبي ( ص) يعمق الإحساس بالهدى المشار إليه من قبل، وينفي أدنى احتمال للشك في وجوب الانضمام إليه، لمقاتلة أعدائه في الطرف المقابل، أولئك الذين سيكونون في مواجهة لواء النبي (ص) بما يحمله ذلك من دلالة على ضلالهم. كما أن ذكر راية النبي (ص) يحرض الذاكرة على استرجاع صورة الصراع بين الإسلام والشرك في بداية الدعوة، ومن شأن ذلك أن يعمق الإحساس بعظمة القتال من حيث هو جهاد في سبيل الله ضد الشرك والمشركين. وقول الشاعر في علي ( لاجبنه نخشى ولا آثامه ) لاتخرج عن قول جندب بن زهير، من قبل، ( فإنه يخشاك ربي فارفعه ) ، فخشية الله تحمل معنى الطاعة لأنها تعني التزاما بالأوامر وانتهاء عن النواهي. فالقول ( لاجبنه نخشى ولا آثامه ) هو- من جهة- نفي للجبن والآثام عن شخصية علي، وهو - من جهة أخرى - إثبات صفة القوة لها والإيمان. والقوة والإيمان هما أعظم صفتين يمكن أن يتحلى بهما قائد في هذه المعركة.
وفضلا عن الحجج السابقة التي تمسك بها أنصار علي في مواجهة خصومهم، نلاحظ حجة أخرى هامة ترددت في أشعار موقعة صفين، وسوف تتردد بكثرة، فيما بعد، في شعر الشيعة في العصر الأموي، وهي أن خلافة علي ثابتة بالوصية، وأن عليا وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم. والشعراء في العادة لا يفصلون في ذكر الوصية ولا يحتجون لها، وإنما يشيرون إليها بسرعة كما لو كانت مسلًمة لا تحتاج إلى برهان أو دليل. وهذا جرير بن عبد الله البجلي يقول في أبيات له يذكر فيها ثقته بالله والرسول وخليفته (4) :
عليًا عنيتُ وصيَّ النبيّ نُجالِدُ عنه غواة الأمَمْ
ويقول عبد الرحمن بن ذؤيب الأسلمي في أبيات قالها مهددا معاوية بجيش عظيم قادم للقضاء عليه (5) :
يقودهُمُ الوصيّ إليك حتّى يردّك عن غُوائِكَ وارتيابِ