فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 33

كانت صفين، المدينة الفراتية القديمة، ساحة لصراع عنيف دار بين طرفين مسلمين للمرة الثانية في تاريخ الدولة الإسلامية الفتية. وتحدثنا المصادر التاريخية عن معارك طاحنة ومكثفة دارت هناك، أدت إلى سفك دماء حرم الدين سفكها إلا بالحق أو بفساد في الأرض، فكان لابد من إيجاد عذر شرعي لسفكها، لأن كل فرد من أفراد الطرفين المتصارعين يدرك تمام الإدراك أن انتماءه إلى الإسلام يجعل له حرمة تجعل النيل منه أمرا مرهونا بخروجه عن الدين أو الاستهانة ببعض أموره أو أوامره.

وكانت القيادة في كل طرف تعي هذه الحقيقة بوضوح، وتدرك أن انتصارها في المعركة يقوم في جانب كبير منه على مدى اقتناع الجيش الذي تقوده بنبل الهدف الذي يسعى إليه، وبعدالة القضية التي يقاتل من أجلها. وهذا لايتحقق إلا من خلال إيجاد حجج مقنعة، وأدلة واضحة، على شرعية الفعل الذي يقوم به هذا الطرف مقابل لاشرعية الفعل الذي يقوم به الطرف الآخر. ولم يكن ذلك أمرا يسيرا، بل كان يتطلب جهدا مضنيا، تجلى في بعض جوانبه بتلك الحملات النفسية التي كانت تقوم لتدعيم المعنويات، وتحريض المقاتلين، واجتذاب الأنصار.

كان علي متسلحا بالشرعية التي جعلت منه خليفة، له الحق في محاكمة الخارجين على سلطته، ومحاربتهم، وله على المسلمين حق الطاعة إذا ندبهم إلى ذلك - أو إلى غيره - أو إذا أمرهم به. وفضلا عن ذلك كان علي متسلحا، أيضا، برصيد نضالي ضخم، وبرصيد عاطفي عظيم تأتى من خلال الروابط المختلفة التي تربطه بالرسول الكريم (ًًص) ، ومن خلال ما عرف عنه من إيمان وتقوى وزهد. وهذه الأمور كلها كانت مادة مهمة وغنية يستقي منها أنصار علي في تأكيد شرعية موقفهم المتضمن - حكما - عدم شرعية الطرف الآخر، وزيف حججه، وكذب ادعاءاته. وهذا ما يتجلى في الشعر بشكل واضح، يقول جندب بن زهير ( 2) :

هذا عليٌّ والهُدَى حقًا معَهْ ياربِّ فاحفظهْ ولا تضيِّعَهْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت