فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 33

وفي جو كهذا قد لا تتوافر الظروف المثالية للإبداع الشعري، ولا يجد الشعراء فرصة للتفرغ الكامل من أجل ممارسة فنهم، ولكن ذلك لم يكن ليمنعهم من أن يشاركوا بألسنتهم كما كانوا يشاركون بأسنتهم، وهذا ما نجده جليا في وقعة صفين -وهي موضوع حديثنا - فالمصادر التي أرخت لهذه الموقعة مثل وقعة صفين، وتاريخ الطبري، وشرح نهج البلاغة، حملت إلينا من الشعر ما أثارت كثرته شكوك الباحثين (1) . ففي كل موقف، وفي كل يوم من أيام المعركة، يرفع الشعراء أصواتهم بما تجود به قرائحهم، مصورين ما يجري، معبرين عن مواقفهم، مفتخرين ببلائهم، مهددين أعداءهم، مادحين قادتهم ... ومن الطبيعي، في حال كهذه، أن تنتحل أشعار وأن تضاف، فيما بعد، إلى ما قيل بالفعل، بتأثير عوامل مختلفة، لعل من أهمها تأجج العصبيات التي نفضت رمادها، وراحت تعمل بنشاط. ولكن من الطبيعي أيضا أن يقال في معركة كهذه شعر كثير يعبر عما يجيش في صدور القوم، أو عما يجري أمام أعينهم. وينبغي ألا تروعنا هذه الكثرة من الشعر التي تطالعنا في كتب الأدب والتاريخ، إذ لا غرابة فيها في مناخ كالذي نتحدث عنه. بالتأكيد لقد انتحل شعر، ولكن شعرا آخر، بالتأكيد، قد ضاع بين صهيل الخيول وصليل السيوف، فلم يجمعه أحد، ولم يدونه أحد.

وعلى أية حال، فإن ما انتحل من شعر سيأتي على صورة ما هو حقيقي، وما ضاع سيكون شديد الشبه بما بقي. وتبقى بين أيدينا جملة من أشعار يمكن أن نتجاوزها لكونها بينة الوضع بسبب مخالفتها لمنطق نمو الشعر في هذه المرحلة، أو لكون ملامحها شديدة الغرابة عن ملامحه. وكل ذلك يجعل دراسة هذا الشعر أمرا مطلوبا، ويجعل الحكم عليه أمرا معقولا.

الشعر والسياسة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت