فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 33

لقد كان الشعراء يدركون أن عليهم أن يتابعوا الأحداث وأن يعبروا عنها. فكانوا يجرون خلفها حتى الإرهاق، خشية أن تفوتهم. وفي حال كهذه ليس من المتوقع أن نجد لهم قصائد على شاكلة المعلقات، وليس من الإنصاف أن نطالبهم بذلك. لقد كان أغلب ما جاءنا من شعر مقطعات أو قصائد قصيرة، وخرج الرجز بنصيب وافر، وكان ذلك طبيعيا، لأن القائلين لم يكونوا شعراء محترفين، بل كانوا - في معظمهم - أناسا تأثروا بما يجري بعمق فجاشت صدورهم بمشاعر وأحاسيس راحوا يعبرون عنها بشكل فني. ومن المعروف أن الرجز ( مطاوع يؤدي أغراضا مختلفة، ويصلح لأن يعبر عن أحاسيس متنوعة حتى يكاد يكون مطية الشعراء يركبها كل من له طبع وذوق وحس مرهف، ومن هنا صار شعر من كان لايقول الشعر أو لا يحضره إلا في الملمات والأزمات ) (74) . وقد تنبه القدماء على أن الشعر أرقى فنيا من الرجز، فذهبوا إلى أن الشاعر أعظم موهبة من الراجز، وأعلى منزلة، وأقدر على ممارسة الفن (75) . بل إن العلماء اختلفوا في الرجز ( فمنهم من جعله شعرا صحيحا ومنهم من جعله صنفا من أصناف الكلام ...) (76) . نقول ذلك كله للتأكيد على أن الرجز،هذا الفن القولي، كان في متناول كثيرين ممن شاركوا في المعركة، وكان لابد، بعد ذلك، من أن يجيء كثيرا. ولعل هذا من شأنه أن يقلل من الشك في كثرة ما وصل إلينا من شعر. والملاحظ على هذا الرجز أنه جاء أبياتا قليلة من جهة، وجاء أثر الإسلام واضحا فيه من جهة أخرى،وهو أثر يتجلى في ذكر الرسول، والنبي، والهدى،والضلال، والأحزاب ...وغير ذلك. ولذلك يمكن القول: ( إن الرجز سجل في هذه الفترة تطورا موضوعيا وفنيا نحو( الإسلامية ) وأنه خطا الخطوة الأولى من صورته القديمة الجاهلية إلى صورة جديدة إسلامية، وهي خطوة لم تظهر بوضوح في رجز الفتوح الأولى ) (77) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت