كريمٌ ماجدُ الجدَّيـ ـن ِيَشفي من أعادينا
وممنْ قادَ جيشَهُمُ عليٌّ والمُضِلونا
شفانا اللهُ من أهل ِالـ ــعِراق ِفقد أبادونا
أما يخشونَ ربَّهُمُ ولم يرعوا له دِينا
ونلاحظ أن المرأة تحمل على أهل العراق لكونهم السبب في مقتل أخيها، وهي لاتنسى في هذا السياق أن تشير إلى أنهم"مضلّون"، ولكنها في تعبيرها عن ذلك تبدو محبطة يائسة، ولذلك تنصرف عن التحريض ضدهم إلى الدعاء عليهم، مشيرة إلى أنهم انتهكوا الحرمات بسفكهم دماء أهل الشام، ولم يرعوا لله دينا.
وبشكل عام، يمكن أن نلاحظ على ماقيل من رثاء في هذه الموقعة أن صوت التفجع الجاهلي لايكاد يسمع إلا صدى من بعيد. وربما كان مرد ذلك إلى أن الشعراء كانوا ينظمون رثاءهم والمعارك ما تزال مستمرة ، وفي مثل هذا الموقف قد يكون من غير اللائق إظهار التفجع لما قد يتركه من أثر سلبي في نفوس القوم، وما قد يبعثه من ارتياح في نفوس الطرف المقابل. هذا بالإضافة إلى ما جاء به الإسلام من مفاهيم عن عالم الآخرة، وعن الشهادة، وعما ينتظر الشهيد من نعيم. وهذه مفاهيم كان لها أثرها فيما يلاحظ على شعر الرثاء في صدر الإسلام من فقر بموضوعات العزاء، وهو أمر أشار إليه باحث متأن دقيق أهتم بموضوع الرثاء، وفصل القول فيه (71) .
السمات الفنية:
لم تترك أحداث الحرب المتلاحقة للشعراء وقتا كافيا للتأمل فيما يجري، واستبطان خفاياه، واستشراف ما وراءه، واستخلاص ما يمكن استخلاصه منها، كما أنها لم تترك لهم وقتا كافيا لممارسة فنهم بقدر من الهدوء يمكنهم من إعادة النظر فيه، ومن الاهتمام بجانبه الجمالي. فجاءت أشعارهم، كأشعار غيرهم من المقاتلين في الفتوحات الإسلامية (بنت اللحظة العاجلة،نظمت في لغة يسيرة دون احتفال بتنقيح أو صقل أو ما يشبه الصقل والتنقيح) (72) ،ولذلك كانت تحمل طوابع شعر الفتوح نفسها، تقريبا،من حيث الالتزام بالفكرة، والإيجاز،والقصر، والعفوية (73) .