طويلَ عمودِ المجدِ رحبًا فِناؤهُ خصيبا إذا ما رائدُ الحيّ أجْدبا
عظيمَ رمادِ الَّنار لم يكُ فاحشًا ولا فشلا يومَ القتال ِمُغلبا
والشاعر يمضي بعد ذلك فيدعو على الذين أسعدهم قتل المرثي، ثم يذّكر الأعداء بقتلاهم الذين قتلوا من قبل، في محاولة للتعزي بذكرهم من جهة، وللتخفيف من شعور الأعداء بالانتصار، من جهة أخرى .
ولكن الأثر الإسلامي الذي افتقدناه في الشعر -غير الرجز- نجده واضحا جليا في الرجز. وربما كان مرد ذلك إلى أن الأراجيز كانت تأتي كتعبير عن شعور متدفق، واستجابة للحظة انفعال جاشت بصدر أناس غير محترفين، ولذلك كان انفلاتهم من النموذج الجاهلي أكثر يسرا وسهولة، ولاسيما أن النموذج الشعري الأكثر تأثيرا في الثقافة كان نموذج القصيدة لا الأرجوزة .
والأراجيز تأتي مقطوعات قصيرة، ويتجلى الأثر الإسلامي فيها من خلال ذكر الجنة ونعيمها، أو النار وعذابها، مع ما يستتبعه ذلك من معان إسلامية، كما في قول ابن هاشم بن عتبة في رثاء والده (68) :
ياهاشمَ بنَ عتبة بنِ مالكْ أعززْ بشيخ ٍ من قريش ٍهالكْ
تخبطهُ الخيلاتُ بالسنابكْ أبشرْ بحور ِالعِين ِ في الأرائِكْ
والرّوح ِوالرَّيحانِ عندَ ذلكْ
وشاركت النساء في الرثاء، كعادتهن في الجاهلية، فجاء رثاؤهن ينساب رقيقا، ويفيض حزنا وعذوبة، فيعكس شدة الإحساس بالجزع والفقد والتفجع. وهو رثاء يأتي في الغالب بصورة الندب، وأرقه ماجاء على بحور قصيرة تناسب إيقاع الندب الذي كانت تقوم به النساء للتعبير عن حزنهن على الفقيد. وهذه حبلة أخت الأجلح بن منصور الكندي تقول حين أتاها مصاب أخيها أبياتا تأثر بها علي بن أبي طالب، عندما سمعها، تأثرا بالغا، فلم يملك إلا أن دعا على معاوية لكونه السبب في كل ما جرى (69) :
ألا فابكي أخَا ثقةٍ فقدْ واللهِ أبكينا
لقتل ِالماجدِ القمقا م ِلامِثلَ له فِينا (70)
أتانا اليومَ مقتلُهُ فقد جُزَّتْ نَواصِينا