والرثاء من حيث كونه غرضا شعريا لايتناسب كميا مع كثرة القتلى في هذه الموقعة، ولكنه، مع ذلك، يظل غرضا بارزا له ما يسوغ الوقوف عنده ولو قليلا. وأول ما يلاحظ عند التأمل في النصوص الرثائية لهذه الموقعة، هو أن ملامح الرثاء الجاهلي تبدو فيها بوضوح، شأنها في ذلك شأن النصوص الرثائية الأخرى التي قيلت في هذا العصر، والتي رأى الباحثون أن اتجاهاتها (تظهر في شكلها العام من حيث أنواعها ومعانيها، لا خلاف كبير فيها بين العصر الجاهلي وصدر الإسلام ) (63) . وإذا كان بروز ملامح الر ثاء الجاهلي في الرثاء الإسلامي أمرا طبيعيا في مطلع عصر صدر الإسلام، فإنه في آخره يعبر عن طغيان النموذج الرثائي الجاهلي على الرؤية الفنية والفكرية للشاعر المسلم الذي لم يستطع أن يتمثل الثقافة الإسلامية الجديدة بالشكل الذي يسهم في إبداع نموذج خاص به، وهكذا راح يجري في مضمار أسلافه الجاهليين .
حقا، قد نجد مراثي تطغى عليها المعاني الإسلامية، حتى ليجوز القول إنها كانت تصلح نواة لنموذج رثائي إسلامي، ولكنها، للأسف، وجدت خارج مناخ نموها، فلم تتحقق لها شروط بقائها وتطورها، كما أنها كانت قصيرة وقليلة مما جعلها تغيب في كثرة الشعر الذي قيل, فلم تستوقف أصحاب المواهب من الشعراء لتطويرها. ومن هذه المراثي ما قاله الحجاج بن غزية في رثاء عمار بن ياسر (64) . ولكن ذلك، كما ذكرنا، أتى في نطاق ضيق، أما في الغالب فإن الشاعر كان ينصرف إلى تعداد مناقب المرثي، وذكر أفضاله وإنجازاته في الحرب، وخير ما يمثل ذلك رثاء النجاشي لأبي عمرة بن عمرو بن محصن، إذ يقول (65) :
فيا رُبَّ خير ٍقد أفَدْتَ وجَفْنَةٍ ملأتَ وقِرْن ٍقد تركتَ مخيّباا (66)
ويا رُبَّ خَصْم ٍقدْ رددتَ بغيظهِ فآبَ ذليلا بعدما كان مُغْضَبا
ورايةِ مجدٍ قد حملتَ وغزوةٍ شهدتَ إذا النِّكسُ الجبانُ تهيّبا
حووطًا على جُلّ العشيرةِ ماجدا ولم يكُ في الأنصارِ نِكسًا مؤنَّبا (67)