إذا تجاوزنا الموضوعات السابقة التي تحدثنا عنها من قبل، يمكن أن نلاحظ بروز موضوعين آخرين هما الفخر والرثاء. صحيح أن الشعراء تناولوا موضوعات أخرى في إطار الصراع الدائر، ومن خلال الانتصار للطرف الذي كانوا يقاتلون تحت رايته، ولكن ذلك جرى على نطاق ضيق. ففي المديح، مثلا، لانكاد نجد سوى أبيات قليلة يطغى الشك في صحتها على اليقين. وكذلك لانجد في الهجاء إلا أبياتا قليلة ينصرف فيها أصحابها إلى تسفيه آراء خصومهم (56) أو تعيير بعضهم بالفرار (57) أو السخرية منهم (58) . ومن البديهي أن الغزل سيكون قليلا إلى حد يبدو معه الحديث عنه ضربا من التكلف لامسوغ له. ليس لأن الحديث عن المرأة لايليق في إطار الحديث عن الحرب، بل لأن استثمار حديث كهذا في المعركة يتطلب موهبة فذة، وفسحة للتأمل وشروطا أخرى لم تتح لشعراء هذه الموقعة.
الفخر:
والفخر ضرب من الحماسة، ولذلك فإنه قد يجد في المعارك مناخا طيبا لنموه، لما يتطلبه جو المعركة من تمسك بقيم عليا تشكل قوة تحمي الذات المقاتلة من الاستسلام لإغراءات إيثار السلامة عند اشتداد قلق الموت بتأثير مجريات أحداث المعركة وما ينتج عنها من دم وموت وآلام.
وعند الإطلاع على شعر الفخر الذي قيل في هذه الموقعة نلاحظ أنه، كالفخر الجاهلي، يمكن أن يقسم إلى قسمين:
أ- فخر فردي: ويلاحظ فيه التركيز على إبراز ا لقوة من حيث هي قيمة أساسية تغري الشعراء وتشغلهم عما سواها من قيم جرت العادة أن يحرص عليها الشعراء في مقام الفخر. وقد لانعدم ذكرا للأنساب، ولكن الاهتمام بالقوة يطغى عليه حتى لايكاد يبين. وهذا النوع من الفخر يأتي موجزا وسريعا، وغالبا ما يكون في سياق تحريض الذات الذي تحدثنا عنه من قبل، ولذلك فإن الحديث عنه هنا سيكون تكرارا لا مسوغ له.