كان الشعراء الذين يعبرون عما يجري في ساحات القتال أناسا شاركوا فيها مشاركة مهتم حريص، وكانوا من خلال ذلك يعبرون عن رأي واعتقاد، ولذلك نراهم منشغلين بما يجري، منفعلين به وفاعلين، مجتهدين في تصويره، وفي التعبير عنه، وفي الاستفادة منه. ولذلك نراهم يعبرون عن المعركة، وعما سبقها من إرهاصا ت أو لحقها من ذيول. يعبرون عن تطور التوتر الذي ساد أجواء المحادثات الأولى التي دارت قبل المعركة،وما رافق هذا التوتر من قلق وكيف أن الأمر انتهى إلى حتمية المعركة، ثم كيف بدأ التحريض استعدادا لها، كما عبروا عن القتال الدائر وما رافقه من حملات نفسية، فإذا كان رفع المصاحف في الموقف المشهود، ما كان للشعراء إلا أن يعبروا عنه (39) ، كما عبروا بعد ذلك عما جرى من اتفاق على التحكيم، وما كان فيه من اختيار للحكام (40) ، حتى إذا كانت نتيجة التحكيم صور الشعراء احتجاج أهل العراق، وشماتة أهل الشام (41) .
ولكن من يرهف السمع يسمع،على الرغم من ضجيج المعركة، أصواتا عبرت عن إحساسها بمرارة ما يجري. لكنها كانت أصواتا قليلة بالقياس إلى أصوات تسويغ الحرب، وكانت كذلك قليلة إذا قيست بأصوات التحريض، وعلى الرغم من ذلك فهي أصوات موجودة تعبر عن لحظة وعي عميق بخطورة ما يجري، وإن كان تعبيرها موجزا وسريعا لايكاد يشفي غليلا. ولنقرأ هذه الأبيات لحابس بن سعد الطائي، وكان قد قالها قبيل نهاية شهر محرم، الذي كانت فيه موادعة الحرب بين علي ومعاوية، سنة سبع وثلاثين، يقول (42) :
فما بينَ المنايا غيرُ سبع ٍ بقينَ من المُحَرَّم ِأو ثمان ِ
ألمْ يُعْجِبْكَ أنّا قد هَجَمْنا وإيَّاهُمْ على الموتِ العِيان ِ
أينهانا كتابُ الله عنهمْ ولا ينهاهُمُ آيُ القران ِ