الشاعر لايعبر عن شوق إلى انتهاء الموادعة وابتداء الحرب، كما قد يفهم للوهلة الأولى، بل يعبر عن قلق من أن تنتهي الحرب من غير أن يتوصل الطرفان إلى صلح سعت من أجله الرسل بين الطرفين خلال مدة الموادعة (43) . والشاعر لم يقل: فما بين القتال، أو الحرب، أو غير ذلك، وإنما يقول: فما بين ( المنايا) ، وقوله يعبر عن رؤية للصراع بين الطرفين من حيث هو ( منايا) ، وهي رؤية لاتنبع من إحساس بالجبن أو الخوف، وإنما تنبع من إحساس بمأسوية الصراع لكونه فناء للطرفين اللذين يشكلان (الأمة ) . ويؤكد هذا الفهم ويقويه قول الشاعر، فيما بعد: إن الطرفين هجما على ( الموت ) العيان. لماذا لايريد الشاعر أن يستخدم لفظة أكثر وضوحا في الدلالة على الحال كالصراع، أو الحرب، أو ... ؟! هل من الإسراف أن نقول إن الشاعر لم يجد في هذه الألفاظ وأشباهها ما يدل على ما يشعر به من أن هذه الحرب الدائرة ليس فيها انتصار لأحد ؟!! كان الشاعر - كما يبدو- يرغب في الصلح، ولذلك فهو يعبرعن حالة رفض لهذه الحرب، في ظلالها يمكن أن نفهم تساؤله في البيت الأخير على أنه استغراب مر من عدم التزام الطرفين بالكتاب الذي يؤمنون به، ويقاتلون تحت شعار التمسك به. الشاعر لايريد أن يقول: لماذا ننتهي نحن، ولاينتهون هم ؟. بل يريد أن يقول: إذا كان النهي موجها إلينا وإليهم، وكان الامتثال له فرضا علينا وعليهم، فلماذا تدور الحرب ؟!
هذه الإشارات إلى ما تفعله الحرب بالطرفين تتكرر، فلقد كانت حربا ضروسا (لايمكنها أن تؤدي إلى غالب ومغلوب،إنها معركة أبطال حيث لم يكن أحد يظهر استعداده للتراجع ولو قيد أنملة وحيث كان كل واحد يضع حياته في الميزان،وحيث كانت تتضافر خصال العروبة الإسلام القتالية الكبرى ) (44) . ويمكن أن نسمع صوتا آخر، للشني وهو يتحدث عن يوم شديد من أيام صفين. يقول الشني (45) :
وقد أكلتْ منّا ومنهم فوارسًا كما تأكلُ النّيرانُ ذا الحَطبَ الجَزْلا