وبالكماةِ منكم الأبطال ِ فقارعوا أئمة الجهال ِ
السالكينَ سُبُلَ الضَّلال ِ)
وكذلك تقدم عمير بن عطارد بجماعة من بني تميم، في يوم من أيام صفين، وهو يومئذ سيد مضر من أهل الكوفة، وراح ينشد (31) :
قد ضاربتْ في حربها تميمُ إنَّ تميمًا خطبُها عظيمُ
لها حديثٌ ولها قديمُ إنَّ الكريمَ نسلهُ كريمُ
إنْ لم تزُرهُمْ رايتي فلوموا دينٌ قويمٌ وهوًى سليمُ (32)
ويمكن أن نلاحظ في هذه الأرجاز أن قائليها، برغم اهتمامهم بتحريض المقاتلين من خلال إثارة الحمية القبلية لديهم، لم يغفلوا أهمية الاستفادة من النزعة الدينية ( وكان طبيعيا أن تختلط في الأذهان الحمية الجاهلية القبلية والنزعة الدينية ، وقد تلاقتا، أو توافتا، في بؤرة تجمعت فيها شتى المؤثرات مما خالج ضمائر الناس في هذا الجانب أو ذاك ) (33) .
تحريض الذات:
وهو استمرار لشكل فني عرفه الجاهليون، وكان المقاتلون منهم يستعينون به عند النزول للمبارزة، ولذلك كان يتمظهر بصورة التحدي في كثير من الأحيان، بما يتطلبه التحدي من فخر يقتضي ذكر الاسم والنسب أحيانا. وفي هذه الموقعة نجد شعرا كثيرا يجري على هذا النمط، ومن ذلك قول عبيد الله بن عمر، وكان قد نزل للمبارزة وهو يرتجز (34) :
أنا عُبَيدُ الله يَنْميني عُمَرْ خيرُ قريش منْ مضى ومنْ غَبَرَ
غيرَ نبيِّ الله والشيخ الأغَرّْ قد أبطأتْ في نصرِ عثمان مُضَرْ
والرَّبَعِيّونَ فلا أسقوا المَطَرَ
وهذا النوع يغلب عليه الرجز، ولذلك نراه يجري على ألسنة مقاتلين كثيرين، شعراء وغير شعراء، مما ساعد على تكوين ظاهرة كثرة النقائض التي تنمو في مناخ الحروب ،إذ يبرز المقاتل للقتال وهو يرتجز، فينزل إليه آخر وهو يرتجز أيضا، فيأتي رجزه - في أحايين كثيرة - تحديا للأول، ونقضا لما قاله، وتكذيبا لادعاءائه. ومن ذلك أن رجلا من أصحاب معاوية، واسمه عوف، برز ذات يوم للقتال وهو ينشد (35) :
إنّي أنا عوفٌ أخو الحروبِ عندَ هِيَاج الحربِ والكروبِ