أما الأشعار التي قيلت في تحريض معاوية فيمكن أن نلاحظ في كثير منها الرغبة في التركيز على العصبية الأموية، وإثارتها ضد بني هاشم، في محاولة لإ ضرام جذوة نزاع قديم كان بين الطرفين، واستغلاله لصالح الحرب المحتملة، وهو نزاع يرجع إلى زمن طويل قد مضى، دفعت إليه أسباب مختلفة لامجال لذكرها هنا (23) . ومن ذلك أن الحجاج بن خزيمة بن الصمة، دخل ذات يوم على معاوية، بعد مقتل عثمان، وقال: (السلام عليك يا أمير المؤمنين. فقال معاوية: وعليك، من أنت، لله أبوك ؟ فقد روعتني بتسليمك علي بالخلافة قبل أن أنالها. فقال: أنا الحجاج بن خزيمة بن الصمة. قال: ففيم قدمت ؟. قال: قدمت قاصدا إليك بنعي عثمان. ثم أنشأ يقول(24) :
إنَّ بني عَمِّكَ عبدِ المُطَّلبْ هُم قتلوا شيخَكُمْ غَيْرَ الكذِبْ
وأنتَ أولى الناسِ بالوَثبِ فثِبْ وسِرْ مسيرَ المُحْزَئِلِّ المُتلئِبْ
فهذا الرجل الذي يحرض معاوية من خلال إغرائه بمنصب الخلافة، إذ يخاطبه بـ ( أمير المؤمنين ) ، لايقول إن عليا قتل عثمان، وإنما يقول: إن بني عبد المطلب هم الذين قتلوا شيخكم. وهو يتعمد استعمال لفظة (شيخكم ) التي تشير إلى عثمان بن عفان من حيث هو زعيم لبني أمية وليس خليفة للمسلمين. وبهذا الرابط (الأموي) الذي يربط معاوية بعثمان يغدو معاوية أولى الناس بالوثب على قاتليه.
أما الوليد بن عقبة فإنه يلجأ إلى أسلوب آخر في تحريض معاوية، وذلك بوساطة استثارة حميته من خلال تصوير ما جرى لقومه بالمدينة، وما أصابهم من ذل بعد عز، ومن ضعف بعد قوة. ثم يسعى لاستغلال هذا الموقف العاطفي، إلى أقصى درجة، بذكر ما كان يمكن أن يفعله الخليفة في سبيل الثأر لمعاوية، لو كان الخليفة حيا ومعاوية هو المقتول، فيقول (25) :
وقومُكَ بالمدينةِ قد أصيبوا فهمْ صَرعى كأنَّهمُ الهَشيمُ (26)
هُمُ جدعوا الأنوفَ فأدْعَُيوها ولم يبقوا فقد بلغ الصّميمُ