كانت أحداث الموقعة تسهم في ولادة الشعر الذي كان بدوره يسهم في ولادة الأحداث من خلال تحوله إلى سلاح مؤثر في ساحاتها، وهذا دور عرفه الشعر منذ الجاهلية، ولم يكن غريبا عليه ولا جديدا، فكثيرا ما وقف الشعراء يستثيرون الهمم، ويشحذون العزائم ، ويذكون نار الحمية. وكان من الطبيعي أن يمضي الشعراء المسلمون على سنة أسلافهم في ذلك، ولاسيما أن المعارك التي خاضوها كانت تتطلب جهودهم كلها، على اختلاف أنواعها وأشكالها. وهذا ما نلحظه بوضوح، أيضا، في موقعة صفين التي قيل فيها شعر كثير يبرز فيه التحريض باعتباره قوة تأثير تسهم في استنفار مشاعر الشجاعة والبطولة والإقدام من جهة، وتسهم، من جهة أخرى، في التغلب على مشاعر التردد التي قد تتولد عن عدم الاقتناع الكامل بشرعية هذه الحرب، أو عن الشعور بعدم جدواها، أو عن الإحساس بالمخاطر التي تحملها.... أو عن أي سبب آخر. ويمكن أن نتتبع ثلاثة ألوان لهذا التحريض:
تحريض القائد:
إذ يتوجه بعض الشعراء بالخطاب إلى القائد، ويكون المراد من الخطاب، علاوة على التحريض، طمأنة القائد إلى الاستعداد لمناصرته، بما يشي به ذلك من طاعة له واقتناع بوجهة نظره. وفي هذا المجال يمكن أن نقرأ شعرا كثيرا قيل في تحريض علي وفي تحريض معاوية، وهو شعر قيل في الغالب قبل بدء المعركة، في مرحلة التفكير فيها، والاستعداد لها، والبحث في احتمالاتها. وهذا الأعور الشني (واسمه بشر بن منقذ) ، بعد الانتهاء من معركة الجمل، يحرض عليا على قتال معاوية فيقول (21) :
إنْ تذرْهُ فما معاوية الدَّهـ ــرَ بمعطيكَ ما أراكَ تشاءُ
ولنيل السِّماكِ أقربُ من ذا كَ ونجمُ العَيّوق والعَوَّاءُ
فاضربِ الحدَّ والحديدَ إليهم ليسَ والله غير ذاكَ دواءُ (22)