وتفانَوا في محبَّتهِ ... كتَفاني الذرِّ في اللَّهبِ [1]
كيف يخشى النارَ ذو حُرَقٍ ... في لظى نارِ الغرامِ رُبِي
إن أمُتْ عِشقًا فلا عَجبٌ ... هكذا أَوصى إِليَّ أَبي [2]
فلا نشكّ في أن العشق الذي ورثه الشاعر عن أَبيه، وعن عمّه، وهما بدورهما عن جدّه، وعن قومهم من الصوفية السابقين، هو عشق صوفي خالص وحب إلهي صِرف، ولن تنصرف أفكارنا أو تتجه ظنوننا إلى حبٍّ بشريٍّ دنيويٍّ، ثم لا نجد أنفسنا مضطرّين إلى تمَحُّل التأويلات الغريبة، كابن عربي حين اضْطُرَّهُ غُموض الرمز وغُلوّه إلى شرح ديوانه"ترجمان الأشواق" [3] شرحًا متكلَّفًا أيّما تكلُّف، ليدفع عن نفسه الرَّيب الذي جرّه عليه شعره، إذ اضمحلت فيه الخطوط الفاصلة بين الحبّ الحسّي والحبّ الروحي الربّاني، وتلاشت بحيث يغدو التمييز بينهما أمرًا عسيرًا.
وإذا كان شاعرنا المقدسي يستعير - أحيانًا - من لوازم العشق والغزل الحسي ما قد يُوهم السامع، قليلَ الخبرةِ بأساليب القوم، أنه غير جائز في باب العشق الإلهي، كقوله في عتاب الأحبّة:
أُعاتبُ من أهوى فيُصغي تَعطُّفا ... عَليَّ وأُصغي بعد ذاك فيَعتِبُ
إليكَ فإنَّ العشقَ للصَبِّ مهلكٌ ... وفي طيِّه من جانبِ الصبرِ مَطلبُ
(1) 13) الذرّ أصغر من النمل.
(2) 14) ديوانه / 66. والده: هو الشيخ الزاهد الصوفي أحمد بن غانم المقدسي، قال القطب اليونيني في ترجمته: [ على قَدم السلف، لا يشتغل بما لا يعينه، ولا يضيع أوقاته في شيء من أمور الدنيا. أجهد نفسه في العبادة، والتقلّل من الدنيا، وملازمة الورع والزهد، وعدم التطلّع إلى مشيخة أو رياسة أو منصب. رُبّي صغيرًا على قدم الانفراد والتجريد والعبادة، واستمر على ذلك إلى حين وفاته. توفيّ بالقدس في شعبان /681هـ- 1282م/ وقد تجاوز تسعين سنة ] ذيل مرآة الزمان، اليونيني 4/ 148.
(3) 15) الشرح المسمى"ذخائر الأعلاق في شرح ترجمان الأشواق".