الصفحة 10 من 21

ولا غروَ إن أنكرتَ فرطَ صبابتي ... وداءُ الهوى صعبٌ لمن لا يُجرِّبُ [1]

فبالنظر إلى مستهلّ القصيدة الذي يقول فيه:

حديثُ الهوى يُملى علي فأَطربُ ... وكأس الرضا يُجلى عليَّ فأشربُ

فلا عجبٌ أني سكرتُ وإنّما ... بقائي وقد أَفنانيَ الحبُّ أَعجبُ [2]

نجد من ألفاظ الصوفية ومصطلحاتهم ( كأس الرضا، البقاء بعد الفناء ) ما يؤكّد أن الشاعر يرمي إلى حبّ إلهيّ لا بَشري، وأن العتاب الذي يشير إليه الشاعر هو كالذي ورد في قوله تعالى لنبيه الكريم: { عفا الله عنكَ لِمَ أَذِنتَ لهم } [3] وفي قوله عليه الصلاة والسلام لربّه، حين بلغ به أذى المشركين - في قصته مع ثقيف الطائف - مَبلغَه: أَنتَ ربُّ المستضعفين، وأَنتَ ربّي، إلى من تَكِلُني؟ إلى بعيدٍ يتَجهّمُني، أم إلى عدوّ مّلكتَه أَمري؟

إن لم يكن بك غضبٌ علَيَّ فلا أُبالي [4] . فقد عاتب اللهُ النبيَّ وعاتبه نبيُّه، وعتابهُما يُحمَلُ على عتاب الأحبّة، وهو أمرٌ مألوفٌ في مقام الحبّ.

وفي أغلب الأحوال كان شاعرنا صريحًا في غزله، مُبينًا في مقاصده الصوفية، ومعبِّرًا تعبيرًا مباشِرًا أحيانًا عن تَرفُّعه عن أيِّة علاقةٍ بشريةٍ أو حبٍّ أُنثوي، بل هو ينعت ذلك الحبَّ البشريّ بالخسّة والدّناءة، يقول [5] :

شُغِلتُ بمن أَضحى فؤادي محلَّه ... ولم يكُ شُغلي بالرَّبابِ وعَلْوَةِ

ولم تَرضَ روحي بالدَّناءة إنّما ... إلى عالمِ المعنى زَممتُ مطيَّتي [6]

فشاهدتُ معنىً لو بدا كشفُ سِرِّه ... لصُمِّ الجبالِ الراسياتِ لدُكَّتِ [7]

(1) 16) الصبابة: رِقَّة الشوق، وحرارته. وفَرْطُ الصبابة: تَجاوزُ الحدّ فيها.

(2) 17) ديوانه / 61 و 62.

(3) 18) سورة التوبة / 43.

(4) 19) الروض الأُنف في تفسير سيرة ابن هشام، السهيلي 2/ 172 و177.

(5) 20) ديوان المقدسي / 67.

(6) 21) الدناءة: الخسّة. وزمَّ البعير: خَطمه، وزمّ تقدّم في السير.

(7) 22) الدكّ: هدم الجبل والحائط ونحوهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت