الصفحة 11 من 21

على طُورِ قلبي كان ميقاتُ قُربتي ... وفي قابِ قوسيِّ الحبيبِ تجلَّتِ

فلاحَ على الأشباحِ منها جلالُه ... وفاح على الأرواحِ عِطرُ نُسَيْمتي

والأبيات - كما نرى - لا يمكن قراءتها إلاّ قراءةً صوفيةً، فقوله: ( شغلت بمن أضحى فؤادي محلّه ) إشارة إلى الحديث القدسي: { ما وَسِعني أَرضي ولا سمائي، ووسعني قلبُ عبديَ المؤمن } [1] وقوله: (عالم المعنى، وطور قلبي، وقاب قوسيّ الحبيب، وتجلّت، والأشباح والأرواح ) كلّ هذه الأمور لا يمكن فهمها وتفسيرها إلاّ في إطار حبٍّ صوفيٍّ يتسامى فوق عالم المادة.

وفي قصيدة أخرى يعبّر عن هذا المعنى أيضًا، مؤكِّدًا تَرفُّعه عن الحبّ البشري في أَرقى صوره، لأن لديه ما يشغله عن كلّ ما يصبو إليه أرباب الحب التقليدي، وأساطين الغزل العذري، ذاك هو المحبوب الأزلي الذي سكن قلبَه، واستولى على جوارحه؛ فَبهِ يسمع وبه يُبصر، هو مقصوده إذا صَرَّح، ومُراده إذا كنّى، إنه غاية الغايات، وكلّ ما في الجِنان من نعيمٍ خالدٍ تطمح إليه النفوس، فإن شاعرنا لا يجد له قيمةً تُذكَر، أو نفعًا يُرتجى، إلاّ أن يكون سببًا في قربه من محبوبه، وهو أَقصى ما تتمنّاه نفسه، ويهفو إليه قلبه:

فدعني مِن تغَزُّل قيسِ ليلى ... ومن أبياتِ شِعر جميلِ بُثْنِ [2]

فبي شغَفٌ عن الأشعارِ يُلهي ... وبي طرَبٌ عن الأوتار يُغني

وفي إيّايَ كلُّ لطيفِ معنى ... فمِنّي إن سمعتُ سمعتُ عنّي

أُغنّي باسمِ حِبّي لا أُكَنّي ... وإن أَكُ قد كنَيتُ فذاك أَعني

ولا أَبغي النعيمَ ولستُ أرضى ... نعيمًا لا ولا جناتِ عَدْنِ

وما نفعي بدارٍ لستَ فيها ... وأنتَ القصدُ يا أَقصى التَّمنّي

(1) 23) تخريجه في كشف الخفاء، العجلوني 2/195

(2) 24) حل الرموز / 72 وملحق الديوان / 31.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت