وفي البيت الثاني نجد الإشارة واضحةً إلى أن الفن ليس مقصودًا لذاته، لدى شاعرنا؛ فالشعر والموسيقى عند الصوفية إنما هما وسيلتان لا غايتان، وهما من جملة الأدوات التي يَستجلِب بها القوم الشعورَ بالوَجد الباطني، والغِبطةِ الروحية، التي يَنشُدها هؤلاء، ويَسْعَون إلى تحقيقها بمختلف السُّبل والأَساليب.
لَوازِمُ الحُبِّ:
1-البُعد والفراق، وشوق المحبين:
يلخِّص الشاعر معاناة المحبيّن، وما يلقَونه من ألم البعد وهجر الأحبّة وصدّهم، فيقول:
وهجرٌ وصدٌّ وبُعدٌ لمن ... أَحَبَّ؛ ثلاثٌ من المُضنياتِ [1]
وهذه الأمور تُضني العاشقين حقًّا، وتسبّب لهم العناء والشقاء. ويشبّه الشاعر ما يلقاه من ألم الصدّ ولوعة الشوق بنار الجحيم، ولاسيما أن ليل البعد يطول على العاشق حتى يخيّل إليه أنه لا صُبحَ بعده، ولا نهاية لعتَمتِه، وفي الوقت نفسه لا مَفرَّ منه ولا مَهرب:
أينَ المفرُّ من الهوى ... هيهاتَ"كلاّ لا وَزَرْ" [2]
فَذُقِ المحبةَ واعتبِرْ ... كم في المحبةِ مِنْ عِبَرْ
من ذا يَطيقُ تَصبُّرًا ... ما في المحبةِ مُصطَبَر
يا سّيدي مالي أَرى ... ليلَ الصُّدودِ بلا سَحَر
وليس للمحب العاشق إلاّ أن يذرف الدموع غزارًا، تحت وطأة شوقٍ أَضنى جسده، حتى اعتراه النُّحول، وغلَب عليه الاصفرار والذُّبول:
ركِبوا الشوقَ في هواهُ وساروا ... ولهم أَدمعٌ عليه غِزارُ
لو تراهُمْ وسُقْمُهمْ قد بَراهُمْ ... واعتَراهُمْ من النُّحولِ اصفرارُ [3]
دموعٌ وحَسراتٌ، ولوعةٌ وآهاتٌ، وشوقٌ كالنار يُحرق قلوب العاشقين. فمتى يكون الوصل، وتنصلح حال المحبين؟!
(1) 25) ديوان المقدسي / 73.
(2) 26) ديوانه / 106. وفي البيت اقتباس بيّن من الآية الكريمة { كلا لا وزَر، إلى ربّكَ يومئذً المستقرّ } القيامة / 11.
(3) 27) ديوانه / 106.