على أننا في مطالعتنا شعرَ المقدسي - وبالرغم من جَريهِ على سَنن أَسلافِه في استخدام أساليب الغزل الإنساني [1] - لم نجد مثل ذلك الالتباس، الذي يشير إليه د. غنى، في التمييز بين العشق الصوري والعشق الحقيقي، أو بين الحب البشري والحب الإلهي [2] ، والذي نجده لدى كثيرٍ من شعراء المتصوفة، ولاسيما شعراء الفرس منهم، فالمقاصد الإلهية في غزل المقدسي واضحةٌ بيّنةٌ، وكلّ ما يستخدمه من عبارات الغزل، وما يوشِّح به أفكاره ومعانيه من أَستار الرمز، يبقى على قدرٍ من الشفافية، بحيث يستطيع الناظر - وللوهلة الأولى في أغلب الأحيان - أن يرى ما تنطوي عليه من حبّ روحيّ سامٍ، وأشواقٍ إلهيٍة راقيةٍ، تتعالى فوق المقاصد الحسيّة، والغايات البشريّة. فإذا قرأنا قول شاعرنا:
في حبّه يُستعذَبُ التعذيبُ ... وبذكرِه يَحلو الهوى ويَطيبُ
يا لائمي في حبّهِ مُتَعَسِّفًا ... أَقصِر فمالَكَ من هواهُ نَصيبُ [3]
ما كلُّ من يهوى يُحبُّ ولا الذي ... يُقصى بعيدُ ولا القريبُ قريبُ
من لم يكن أهلًا لحضرةِ قُربهِ ... ذاك الذي في حالتيهِ غريبُ [4]
فلن يخفى علينا - وإن لم يصرح في مقطوعته هذه باسم حبيبه - أنه يتحدث عن المحبوب الأزلي، فمَن ذاك - من أرباب العشق البشري - الذي يستسيغ العذاب في الحب على هذا النحو، ويستوي لديه القرب والبعد الحسّيان؛ إذ لا قيمة لوصال زائل أو لقاء عابر، ما لم يكن المحبّ مُؤهَّلًا للجلوس في حضرة القرب الأبدية، ويفرّق شاعرنا أيضًا بين الهوى النفساني العابر والحبّ الروحانيّ الراسخ. وإذا استمعنا إلى قوله:
نحنُ من قومٍ إذا عَشِقوا ... بَذلوا الأَرواحَ في الطَّلبِ
(1) كقصيدته / ق42 / الفتوحات الغيبية.
(2) 10) كقصيدته ( الهائية ) الديوان / 171.
(3) 11) متعسّفًا: ظالمًا.
(4) 12) أي في حالتي البعد والقرب، والمقصود هنا البعد والقرب الحسيّان. ديوان المقدسي / 66.