الصفحة 6 من 21

فسُكر هؤلاء هو قربهم ووصالهم، وساقيهم هو محبوبهم، وكاساتهم هي تجلياته المتعددة، وعلى ذلك فإن شعر الخمر لدى المتصوفة هو شعر الغزل عينُه - من هذا الوجه - وإن اختلفت الألفاظ وطرائق التعبير بين هذا وذاك.

ولا يختلف الأمر كثيرًا حين يكون الحديث عن مقاماتهم الصوفية؛ فما الفناء والبقاء، والتجلّي والمشاهدة، والقَبْضُ والبَسْطُ، والفَرْقُ والجَمْع، وما شابه ذلك إلاّ مصطلحاتٍ تعبّر عن أحوالٍ تنتاب القومَ في سلوكهم وتَرقيِّهم في ميادين الحبّ والقرب والمعرفة الإلهية [1] . حتى إنّ كلامهم في الزهد وذمّ الدنيا، والردّ على المنكرين، يرتبط - ولا شك - بهذا الحب، ويرجع إليه؛ فهل أعرض هؤلاء عن الدنيا، وتخلَّوا عن مَباهِجها ومُغرِياتِها، وتَحمَّلوا لوم اللائمين، إلاّ تقرّبا من الله وزُلفى ؟؟ فلا غروَ -على هذا النحو - أن يكون شعر الغزل هو الغرض الأصيل في شعر المقدسي، وتكون الأغراض الأخرى فروعًا له أو بعضًا من لوازمه.

العام والخاص في الغزل الصوفي:

رأينا تَوحُّدَ المتصوّفة في حبّهم وغزلهم؛ من جهة المقاصد والغايات، والأحوال والمقامات، ثم اتفاقَهم في الأساليب التعبيرية، والمصطلحات الصوفية، فهل نفهم من ذلك أنهم كانوا جميعًا يمثِّلون نموذجًا واحدًا، ذا طابعٍ واحدٍ، وذوقٍ واحدٍ، وغايةٍ واحدةٍ؛ فلا اختلافَ في مَشاربهم، ولا فرقَ في مَواجِدهم، وأن القارئ لا يجد فرقًا بين أن يقرأ شعر ابن الفارض، أو يسمع شعر المقدسي، أو يتمعّن في شعر ابن عربي؟

(1) معاني المصطلحات في: معجم مصطلحات الصوفية، لعبد المنعم الحفني. والتعريفات، للجرجاني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت