الصفحة 5 من 21

وإذا ما استعرضنا دواوين كبار شعراء التصوف؛ كالحسين بن منصور الحلاّج، وابن عربي، وابن الفارض، والمقدسي، وأمثالهم من العرب. وكسعد الدين الشيرازي، وسنائي، وفريد الدين العطار، وجلال الدين الرومي، وغيرهم من غير العرب. نجد أن الكثرة الكاثرة من أشعارهم تدور في فلك الحب ولوازمه [1] ؛ من شرح الأشواق، وشكوى البعد والهجر، ولوعة الحنين، إلى متعة النجوى، وجلال المشاهدة، ولذّة القرب والوصال.

وبعدُ، فليس غلوًّا أن نقول: إن الأغراض الشعرية الأخرى التي نجدها لدى شعراء المتصوفة عمومًا، ولدى شاعرنا بطبيعة الحال، كانت تَؤوُل إلى ذلك الحبّ الإلهيّ، بسببٍ مباشرٍ أو غيرِ مباشرٍ، جَليّ أو خفيٍّ، وأن تلك الأغراض المختلفة ما كان لها أن توجَد في أشعارهم أو تُذكَر لولا بَواعثُ ذلك الحبّ ودَواعيه، ولئن كان في مقدورنا التفريقُ - لدى الشعراء التقليديين - بين شعر الغزل وشعر الخمر"الحسّيين"؛ في غاية كلٍّ منهما وفي طرائقه التعبيرية، والنظرُ إلى كلّ فنٍّ من الفنّين نظرةً مستقلةً عن الآخر، فمن غير الجائز أن ننحوَ المنحى نفسَه في فهمنا ودراستنا شعرَ المتصوّفة؛ ذلك أن الخمر التي عنها يتحدّثون، والسكر الذي فيه يَهيمون، وما يلحق بذلك كله من ذكر الكأس والدنّ والحان، والساقي والشرب، وما إلى ذلك، ليس في حقيقته إلاّ مصطلحاتٍ ابتكروها، أو ألفاظًا استعملوها استعمالًا مجازيًا، ليعبِّروا عمّا يَنتابهُم من أحوال الحبّ والقرب والوصال.

(1) يقول د. زكي مبارك: [ ما أعرف كلمةً من أسماء المعاني شَغلت الصوفية كما شغلتهم كلمة الحب، ويكفي أن نتذكر أن أناشيد الصوفية تدور كلها حول الحب، وأن التصوف لا يصلح إلاّ بفضل الحب، ولا يفسد إلا بسبب الحب، فالحب هو الأول والآخر في حياة أولئك الناس ] التصوف الإسلامي، مبارك 2/166.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت