الصفحة 4 من 21

ومن البداهة أن كِلا النوعين يصبّان، من حيثُ الغايةُ، في مصبٍّ واحدٍ؛ فالله سبحانه هو الذي خاطب نبيَّه بقوله: { قل إن كنتم تُحبّون الله فاتّبعوني يُحبِبْكم الله } [1] . وقد ورد عن النبي الكريم قوله: { من أَحبني فقد أَحبّ الله} [2] . ومنطق الأمور - ولاريب - يقتضي أن يكون حبُّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فرعًا لحبِّ الله، أو رافدًا له يصبّ فيه، والمقدسي أَشار إلى هذا المعنى بقوله:

ولولاهُ ما زُمّت رِحالُ مَطيّنا ... إلى يثربٍ تبغي الذي هو يهواهُ [3]

ومن ذا الذي اختاره الله، وخصّه بحبّه منذ القدم غير نبيِّه الكريم محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ، وهذا ما عناه شاعرنا بقوله:

ولقد حَبا اللهُ العظيمُ محمدًا ... بالحبِّ منه في الزمانِ السابقِ [4]

الغزل الصوفي في شعر المقدسي:

يشغل الغزل الصوفي مكانًا واسعًا من الإرث الشعري الذي خلّفه ابن غانم، بل هو يشغل الحيّز الأوسع من شعر المتصوفة على وجه العموم، ولا غرابة في هذا؛ وقد علمنا أن غاية الغايات لدى هؤلاء هي المعرفة الإلهية، أو القرب من الله سبحانه، بل الفناء الكلِّي في ذاته تعالى، حتى يصير المحب والمحبوب واحدًا؛ فيفنى من لم يكن، ويبقى من لم يزل.

(1) سورة آل عمران / 31.

(2) روي أن امرأة جاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله اعذرني فإنّ لي قلبًا واحدًا، فقال لها: { لا تَشغلي قلبك؛ فإنه من أحب الله أحبني، ومن أحبني أحب الله } ذكره المقدسي في حل الرموز / 30.

(3) ديوان المقدسي / 172. زُمَّت: شُدّت للسفر. والمطيّ: الإبل. ويثرب: المدينة المنورة.

(4) ديوانه / 122.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت