وإذا ذَكرتُ ليَاليًا سلفَتْ لنا ... في وَصْلِ أَحبابي وظلِّ رُبوعي
فأَكادُ من حُرَقي أَذوبُ صَبابةً ... لولا يَجودُ عليَّ فيضُ دموعي
وَوعدتموني في الخَيالِ بزَوْرَةٍ ... فتضاعفَتْ حُرَقي وزادَ وُلوعي
إن كان ذَنبي صَدَّني عن بابِكم ... فإليكُمُ فَقري أَعزَّ شفيع
ماضي القطيعةِ لا يُعادُ وما جرى ... كافٍ وحسبي ذِلّتي وخُضوعي
ويُعقّب المقدسي على الأبيات بقوله: [ فوالله لقد رثَيْتُ لمصابه، وبكَيْتُ لأَوصابه، ولاشيءَ أَنكى من الاغتراب بعد الاقتراب، ولا أَمَرَّ من الحِجاب، بعد مشاهدة الأَحباب ] .
ولعل هذا المقام هو عين ما سمّاه شيخ الصوفية الأكبر في"فتوحاته المكية" [ المنزل الذي يحطّ إليه الوليّ إذا طرده الحقّ تعالى من جواره ] وقدّم له بهذه الأبيات التي تلخّص معانيه وتبيّن سماته:
إذا حطّ الوليُّ فليس إلاّ ... عروجٌ وارتقاءٌ في علوِّ
فإن الحقَّ لا تَقييدَ فيه ... ففي عين النَّوى عينُ الدنوِّ
فحالُ المُجتبى في كل حالٍ ... سُموٌّ في سُموٍّ في سُموِّ
ويشبّه ابن عربي تلك الحال بهبوط آدم من الجنة عقوبةً له لمخالفتهِ ربَّه ومُقارفَتِه ما نهاه عنه [1] .
ولقد واجه المقدسي حالَ قطيعته بما ينبغي من الاعتراف بالذنب، والانكسار إلى الله سبحانه، والندم على
ما فرّط في جَنبهِ تعالى، والتزام الصبر، والوفاء بحقوق المولى، والمواظبة على طاعته، والحفاظ على عهده وحبه، وقد رأينا ذلك فيما مرّ من أشعاره، وفي كثير غيرها، كقوله [2] :
هجرتم فيا لهفَ قلبي على ... زمانٍ تقضّى بطيبِ الوصالْ
مَددْتُ يدي مُستغيثًا بكم ... تشيرُ إِليكم بِذُلِّ السؤالْ
ووجَّهتُ وجهي إِلى بابِكمْ ... فلا تَحرمونيَ ذاك الجمالْ
وأَقسمتُ لا حُلْتُ عن عهدِكمْ ... ولو ذُقْتُ فيكم أَليمَ النَّكالْ
وإِنْ تطردونيَ عن بابِكمْ ... فحاليَ عن حُبّكمْ ما استحالْ
(1) 47) ابن عربي، الفتوحات المكية، الباب التاسع والثلاثون 1 / 231. .
(2) 48) الديوان / 132 و 133.