ويعبّر هنا عن حفظه العهدَ، وبقائِه على الحبّ، وتلهُّفِه إلى أيام الوصال التي زالت وحُرم نعيمَها ولَذاذاتِِها.
وفي مواطن أخرى نراه يقف موقف المعترف بالذنب، المقرِّ بالتقصير، ولا يجد لنفسه حيلةً إلاّ البكاء والنَّدم على ما فات:
فإِن عَظُمَتْ منّي ذنوبٌ تكاثَرَتْ ... فعفوُك عن تلك الجرائمِ أَعظمُ
وقد غرَّني جَهلي بِقُبْحِ خَطيئتي ... وقد دَلنّي عِلمي بأنّكَ أَكرمُ
إذا كنتَ تُقْصيني وأنتَ ذَخيرتي ... لمن أشتكي حالي ومن فيه يَحكُمُ
لئن كان طَردي عن حِماك مُحلَّلًا ... فمَيلي إلى مولىً سِواكَ مُحرَّمُ
وإِن كان دمعي من صدودِكَ شافعي ... فما حيلتي إلاّ البُكا والتَّندُّمُ [1]
خاتمة:
وبعد، فهذا غَيْضٌ من فَيْضٍ، ومزايا شعر المقدسي في الحب الإلهي لا يمكننا الإحاطة بها واستيفاؤها في عُجالةٍ كهذه، وبنتيجة البحث تبيّن لنا أنّ الحبّ الإلهي كان المحور الأساسي في شعر المقدسي، وأنّ الأغراض الأخرى ما كان لها أن توجد لولا بواعثُ ذلك الحبّ ودواعيه، فهي إمّا أن تكون فروعًا له أو بعضًا من لوازمه. وبالرغم من جَريِ الشاعر على سَنن أَسلافِه، في استخدام أساليب الغزل الإنساني، فإننا لا نجد ذلك الالتباس في التمييز بين العشق الصوري والعشق الحقيقي، أو بين الحب البشري والحب الإلهي لديه [2] ، والذي نجده لدى كثيرٍ من شعراء المتصوفة، ولاسيما شعراء الفرس منهم؛ فالمقاصد الإلهية في غزل المقدسي واضحة بيّنة، وحَسبنا أَننا أَلمحنا إلى بعض مآثر هذا اللون من الشعر في تراثنا الأدبي، وعرضنا لبعض إبداعات شاعرنا عبد السلام الموسومة بتنوع الأساليب، ورقّة التعبير، وعمق الأفكار، إبّان عصرٍ طغت فيه المحسنات البديعية، وساد الاهتمام باللفظ على حساب المعنى، لدى شعرائه على وجه العموم، ولم يَنجُ من آثار ذلك أعلام الشعر والأدب في تلك الحقبة.
المراجع:
(1) 49) الديوان / 141.
(2) 10) كقصيدته ( الهائية ) الديوان / 171.