الصفحة 17 من 21

وهو يشبّه هجر المحبوب بالسيف، وحاله في بعده عن الحبيب بالقتل، وأيُّ قتل، إنه القتل العَمد، فقد توافرت نيَّة الحبيب على هجره، الذي هو سبب قتله وموته: [1]

قُتِلْتُ بسيفِ هجرِكمُ اعتمادًا ... فإِن ترضَوْا فقد رضيَ القتيلُ

وفي موضعٍ آخر يشبّهه بنار الجحيم مرّة، وبالموت مرة أخرى، بعد أن شبَّه لذةَ الوصال التي كان يعيشها بنعيم الجنان [2] :

قد كانَ يَأْوي إِلى جَنّاتِ وصلِكمو ... بالهجرِ حَرُّ لهيبِ النار مَأْواهُ

يَغشاهُ فَرْطُ غرامٍ مِنْ تَذكُّرِكم ... وإِنّهُ المُبتلى في الحبِّ ذكراهُ

ما ضرّكم لو بَعثتُمْ طيفَ وَصلِكمُ ... لِميِّتِ الهجرِ حيَّاهُ فأَحياهُ

إنّ شاعرنا لَيرى نار الجحيم أقلَّ ضراوةً من نار القطيعة، لا بل إنه يَسوغُ له الاحتراق بالنار، ويَطيب حرُّها، ويحلو لهيبها في ناظريه، في حين لا تقوى نفسه على تحمّل حرّ القطيعة وسموم الهجر، يقول في مخمّس [3] :

لو قلتَ: رِدْ في النار، طابَ جحيمُها ... وحلا وحقِّك في هواكَ حَميمُها

إِلاّ القطيعةَ لا أُطيقُ أَسومُها ... فلقد بَراني حَرُّها وسُمومُها

والهمُّ داءٌ بُرؤهُ لم يَنْجَعِ

ولعل فترة القطيعة تلك قد طالت على صاحبنا، ما جعله يُكثر النَّوحَ والبكاءَ وذَرْفَ الدموع، وينظم الأشعار الكثيرة [4] ، معبّرًا عمّا عاناه في تلك الفترة، وفي كتاب"كشف الأسرار عن حِكَم الطيور والأزهار"اتَّخذَ من الطاووس رمزًا لمقام الهجر بعد القرب، والقطيعة بعد الوصال، وعبّر عن ذلك المعنى بقصيدةٍ - على لسان الطاووس - بالغةِ التّأثير، قال فيها [5] :

(1) 42) الديوان / 133.

(2) 43) الديوان / 159.

(3) 44) الديوان / 178.

(4) 45) ديوانه / 141 و 144 و 145 و 155 و 166 و 178 ( على سبيل المثال لا الحصر ) .

(5) 46) كشف الأسرار / 75 و 76. والكتاب عبارة عن حوار رمزي أجراه المقدسي بين الكائنات من طيور وحيوانات وغيرها، بث من خلاله مجمل أفكاره الصوفية، ومواعظه الدينية والصوفية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت