الصفحة 16 من 21

وشاعرنا لا يرى في هذا التضرّع والخضوع للمحبوب لونًا من ألوان الذُّلّ أو الضَّعف، أو الضِّعة، ولا يجد فيه ما يتعارض مع الشجاعة، والشهامة؛ فإنّ شَرْعَ الحبّ يسمح للمحب أن يَذِلّ لمحبوبه، وأن يُبديَ له الخضوع والاستسلام، من غير أن يَنقُصَ هذا من شهامته أو يَحُطَّ من كرامته:

فإذا ذَللتَ لعزّنا وَلِهتْ لِهَيـ ... ـبَتِكَ الملوكُ وهابَك السلطانُ

فاخضَع وذِلَّ لمن تُحبُّ فإنَّهُ ... حُكمُ الهوى أن تَخضعَ الشجعانُ [1]

ولا عجب في هذا، فالمحبوب هنا هو ربٌّ عزيز، مَن ذَلَّ لعِزّه عَزَّ، ومن اتَّضعَ لرِفعتِه سما وارتفع. ويتكرر هذا المعنى في موضع آخر من ديوانه [2] ، ولكن في صيغةٍ أُخرى؛ خمريةٍ غزليةٍ، يقول:

وادْنُ من دَنّ حُميّاها وقِفْ ... وِقفةَ المضطرِّ يُكفى إِذ دَنا

وإِذا نُودِيتَ مَنْ هذا الذي ... لزمَ البابَ ذليلًا ؟ قُلْ: أَنا

ولعلّ في تلوين الأَساليب الذي اتَّسم به شعر الرجل ما يُسوِّغ له ذلك التكرار في المعاني، وما ينفي عن قارئه الشعورَ بالملل؛ فالتكرار إن لم يكن له ما يسوّغه من عناصر الجِدّة في العرض فوَقعهُ على النفوس سمِجٌ ثقيل.

3-الطرد والهجر والقطيعة بعد الوصال:

لعلّ أقسى ما يَعرِضُ للمحبين هو الطردُ بعد القرب، والقطيعةُ بعد الوصال، ونجد في شعر المقدسي ونثره شكوى مرّةً وتفجّعًا وحسرةً تدلّ على تعرّضه لمثل هذه الحال، التي هي أَشدُّ ألمًا وقسوةً وتأثيرًا في نفس العاشق الواصل، الذي عرَضت له القطيعةُ بعد أن ذاق لَذاذاتِ القُرب والوصال، وهذا ما أشار إليه الشاعر بقوله [3] :

فإِن يُرضيكمو طَردي وبُعدي ... فصبري في محبتكمْ جميلُ

وحقِّ قديمِ أَيامِ التّصابي ... سُلُوِّي عن هواكمْ مُستحيلُ

قطعتُ بوصلِكمْ أَيامَ أُنسي ... فلا أَسلو وقد بَقِيَ القليلُ

(1) 39) الديوان / 150 وحل الرموز / 59.

(2) 40) الديوان / 150 و 151.

(3) 41) الديوان / 129.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت