الصفحة 15 من 21

هذه هي مصداقية الصوفية في حبّهم؛ فهل بعد بَذْلِ الروح من تضحيةٍ ؟ أم فوق إتلافِ النفس راضيةً في سبيل الحبيب من مصداقيةٍ وبرهان ؟!!..

2-التضرُّع والتوسُّل والاستعطاف:

إذا بَرّح الشوق بالمحبّ، وأقضّ مضجعه، ولم يجد حيلةً إلى الوصال، فهل له إلاّ التضرُّعُ والتوسُّلُ إلى محبوبِه، واستعطافُه، علّه يصفح عنه ويرضى، ويمَنُّ عليه بالوصل الذي يطمح إليه فكره، وتتوق نفسه، ويشتاق قلبه ؟. ولقد كثر في شعر صاحبنا التوسّل والاستعطاف للمحبوب، فمن ذلك قوله:

من لي إذا أنا عن حماكمْ أُمْنَعُ ... وبأيِّ جاهٍ عندكمْ أَتشفَّعُ

وحِماكمُ الرَّحبُ الوسيعُ لِواردٍ ... ولصادرٍ، قل لي فأَينَ المرجعُ

فَقري إِليكم شافعي، ومَدامعي ... تُملي عليكمْ قصتّي فتَسمّعوا

فأنا الذي عَلِقَتْ بكم آمالُه ... مالي وحقِّكمو سِواكُمْ مَطمعُ

فلئن مُنِعتُ رضاكمو دون الورى ... فأنا الطريدُ ببابكمْ أَتضرّع

ما حيلةُ المطرود إلاّ هكذا ... أبدًا على أبوابكمْ يتخضّعُ [1]

ونجد مثل هذا يتكرر في قصائد أخرى، وهو يضيف إلى التوسل والاستعطاف إقرارًا بالذنب، واعترافًا بالخطيئة، وإحساسًا مُرًّا بالندم، ولعلّ فيما يسكبه من دموع الأسى والندّم ما يُلين قلبَ المحبوب، ويُزيل ويلاتِ غضبِه، ونيرانَ صُدودِه:

لكَ المشتكى إِذ أَنتَ بالحال أَعلمُ ... ومنك الرَّجا إِذ أَنتَ بالعبدِ أَرحمُ [2]

فإِن عَظُمَتْ منّي ذنوبٌ تكاثَرَتْ ... فعفوُك عن تلك الجرائمِ أَعظمُ

وقد غرَّني جَهلي بِقُبْحِ خَطيئتي ... وقد دَلنّي عِلمي بأنّكَ أَكرمُ

إذا كنتَ تُقْصيني وأنتَ ذَخيرتي ... لمن أشتكي حالي ومن فيه يَحكمُ

لئن كان طَردي عن حِماك مُحلَّلًا ... فمَيلي إلى مولىً سواكَ مُحرَّمُ

وإِن كان دمعي من صدودِكَ شافعي ... فما حيلتي إلاّ البُكا والتَّندُّمُ

(1) 37) الديوان / 117.

(2) 38) الديوان / 141.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت