ولكن هل يستطيع العاشق أن يُحافظ على اتِّزانِه في جميع الأحوال، فيسلِّم بقدَره، ويلزم الصبر، ويتحمّل الأذى؟ لا ريب في أن ضعفه البشري سوف يتغلّب عليه ذاتَ مرّة؛ فيفقد صبره، ويضجّ بما يحمله قلبه من لوعةٍ وحريقٍ، ويصرخ في وجه عاذله، معبّرًا عن هذا المعنى، فيقول:
يا عاذِلي في الحبّ دَعْني فقدْ ... حُمِّلَ قلبي فيه مالا أُطيقْ [1]
جسمٌ نحيلٌ قد بَراهُ الضَّنى ... ومُهجةٌ حَرّى ودمعٌ طليق
فكيف لي بالصبرِ يا لائِمي ... والصبرُ في شَرعِ الهوى لا يَليق
بل إنه في بعض الأحيان تنتابه نُوَبٌ من الشكّ والقلق، ويعبِّر عن خوفه الشديد من أن تخيب آماله، فتضيق به الحيلة، وتُسدّ في وجهه الطرق، فيتساءَل ويتساءَل؛ متى يسعفه الحظّ برؤية الأحباب؟ متى يكون الوصال؟ متى يحظى بالرضى؟ ... فيلجأ إلى التضرّع والاستعطاف، راجيًا ربَّهُ أَلاّ يخيّب آماله، وألاّ يبدّد أَحلامه:
إن فاتني وصلُكم يا خيبةَ الأمل ... كيف احتيالي وقد ضاقت بكم حِيَلي [2]
متى بِعَيني أَرى يومَ الوصال متى ... أرى رسولَ الرِّضى وافى على عَجَلِ
ألا فَحِنّوا وجُودوا واعطِفوا كرَمًا ... لا خيَّبَ اللهُ فيكم سادتي أَملي
وهكذا يركب المحب أمواج الحب، طَوْرًا يصعد وطورًا يهبط، ولكنه في أغلب الأحيان يبدو قويًا جَلدًا، تسمو به الهمم، فيرقى فوق الألم، ويحلو له العذاب، ويشعر بلذة الاضمحلال في الحبيب؛ فتفنى إرادته في إرادته، ويستسلم للموت راضيًا به، مستمتعًا بما يجده الناس مرًّا، ولِمَ لا مادام قاضي الحبِّ يَقضي بذلك، ومادام هذا الموت الدنيوي تعقبه حياةٌ في كَنفِ الحبيب أَبديّةٌ لانهايةَ لها ولا زوال:
أَلِفَتْ روحي الغرامَ فما ... شاءَ قاضي الحبِّ يفعلُ بي
إن يكن أرضاهُمُ تَلفي ... فرِضاهُم مُنتهى أَرَبي
نحنُ من قومٍ إِذا عَشِقوا ... بَذلوا الأَرواحَ في الطَّلبِ [3]
(1) 34) الديوان / 124.
(2) 35) ملحق الديوان / 11.
(3) 36) الديوان / 66.