كقولهم: (لَقيتُهُ أَدْنَى دَنَيٍّ) [1] أي:" (لَقيتُه أوّل شيءٍ) ..."، والدنيُّ"فعيل"، بمعنى (فاعل) أي:"أَدْنَى دانٍ، واقربُ قريبٍ"، وكذا قولهم: (كُلّ دَنيٍّ دُونَهُ دَنيٍّ) [2] ، فالدّنيُّ بمعنى"الدَّاني"، وهو"فعيل"من الدّنّو، والدّنوُّ لم يكن ثابتًا في موصوفه، وإنّما هو حادث فيه في زمن معيّن، ولكنّهم لمّا أرادوا إضفاء صفة الثبات فيه هو حادث فيه من (فاعل) ، إلى (فعيل) ، ومن ذلك قول الشاعر مفدي زكريا:
أَمِنَ العدلِ صاحبُ الدّارِ يشقى ... ودخيلٌ بها يعيشُ سعيدًا [3]
ويبيح المستعمرونَ حماها ... ويظلُّ ابنُها طريدًا شريدا.
واحْشري في غياهبِ السجن شعبًا ... سِيم خسفًا، فعاد شعبًا عنيدا.
ففي هذا الخطاب الشعري نجد أنّ الشاعر أمام إمكانين للممارسة الشعرية، إمّا أَنْ يستعمل الوحدات الصّرفيّة (دخيل، شريد، عنيد) ، وإمّا أن يستعمل بدلها على مستوى المحور الاختياري:"داخل، شارد، مُعَانِد.."لأنّ صيغة (فعيل) في هذه الأبيات تحمل معنى اسم الفاعل (فاعل) ، و (مُفَاعِل) ، مردّ تنوّع الوحدة (فعيل) في هذه الأبيات، وتحرّكها بحرّية على مستوى المحور الاختياري، وتفاعلها أحيانًا مع عناصر المحور التأليفي هو الوجه الدّفين لشعرية الشاعر، وذلك أَنّه عندما استخدم صيغة (فعيل) بمعنى صفة اللزوم، والثبات لصفة الفاعل، أراد أن تكون صفات مطلقة ودائمة، لأنّه حلم الشاعر، فكان لها دور بارز في رسم إيقاع الجملة، وفي تحويلها إلى جملة شعرية، بل تجاوزت تلك الوظيفة إلى دور
(1) الميداني، أبو الفضل أحمد بن محمّد، مجمع الأمثال، تحقيق محمد محي الدّين عبد الحميد، القاهرة، 1955م، 2/210.
(2) الأزهري، أبو منصور محمد بن أحمد (د.ت) تهذيب اللغة، تحقيق عبد السلام هارون وآخرين، مصر (دنا) 14/189.
ـ الميداني، مجمع الأمثال 2/156.
(3) زكريا، مفدي، اللهب المقدّس، الشركة الوطنية، الجزائر، 1973م، ص16.