ومعاجمنا العربيّة مبنيّة على التّوليد الوضعيّ باستخدام حروف الهجاء الّتي تتولّد عنها الألفاظ المفردة. وأقرب دليل على ذلك أنّ الخليل بن أحمد عندما وضع أوّل معجم لغويّ (العين) بناه على أساس تقاليب الحروف، ولا نجد معنًى لهذه التّقاليب إلاّ معنى التّوليد.
ولمّا كانت اللغة مرتبطة بمعاجم تحتويها أو تصنّفها أو تحفظها فقد كان من الضّروريّ التّلازم بين عناصر هذه اللغة والمعاجم المتولّدة عنها. وهذه العناصر ليست نمطًا واحدًا أو مكوّنًا ثابتًا؛ بل هي حروف ( للهجاء أو للمعنى ) وأسماء وأفعال. وكلُّها تتولّد في لغتنا بالوضع؛ لتشكّل ما يمكن وصفه بالنّواة الأولى في مبدأ اللغة وتراكيبها.
فأمّا الحروف فقد حدّدها علماء العربيّة عددًا ومخرجًا وصفةً (18) . وهذه الحروف هي المسمّاة بحروف الهجاء، وعليها يقوم مبدأ التّوليد الوضعيّ في المعاجم، حيث تكون عناصر جزئيّة تستخدم في تشكيل مفردات اللغة. ويفهم من عبارة ابن جنّيّ أنّها أصل الوضع اللغويّ أو المعجميّ، يقول:"الحروف يُشْتَقُّ منها ولا تُشْتَقُّ هي أبدًا. وذلك أنّها لمّا جَمُدَتْ فلم تتصرّف شابهت بذلك أصول الكلام الأُوَلِ الّتي لا تكون مشتقّةً من شيء لأنّه ليس قبلها ما تكون فرعًا له ومشتقّةً منه" (19) .
ويسمّيها الزّجّاجيّ حروف المعجم، وعليها يقع أصل مدار الألسن عربيّها وعجميّها، ويجعلها أصلًا للأسماء والأفعال وحروف المعاني - وإن لم يكن لها معنًى؛ يقول:"فأمّا حروف المعجم فهي أصوات غير متوافقة ولا مقترنة ولا دالّة على معنًى من معاني الأسماء والأفعال والحروف، إلاّ أنّها أصل تركيبها" (20) .
وأمّا حروف المعاني أو الأدوات فهي توليد وضعيّ أيضًا، وتستخدم للرّبط بين الكلمات الّتي لا معنى لها في إفرادها، أو لربط الجمل، أو لوصلها، أو لتحويلها من حال إلى حال.