الصفحة 6 من 32

ولو أمكن لنا قراءة التّراث كاملًا لرأينا أنّ أغلب علماء العربيّة يُقرّون تصريحًا أو تلميحًا بأنّ هذه اللغة مبنيّةٌ على الاتّساع والتّعدّد والارتجال والاستنباط... وغير ذلك من المصطلحات الّتي تدلّ على توليد جملٍ لا حصر لها من المفردات غير المتناهية وهذه المفردات متولّدة بدورها عن حروف الهجاء العربيّة. ويمكن أن نلاحظ هذا التّوليد في أربعة أنواع، هي: توليد وضعيّ. وتوليد سطحيّ. وتوليد تحويليّ. وتوليد دلاليّ.

أوّلًا التّوليد الوضْعيّ:

والمراد به عندنا البذور الأولى للعربيّة؛ بدءًا من خلق اللغة وأصلها المكوّن من الأصوات والحروف، مرورًا بالكلمات المختزنة في معاجمنا، وانتهاءً بتصنيف الكلام وتقسيماته المتوارثة ( اسم، وفعل، وحرف ) مجرّدةً عن السّياق أو التّركيب.

وأوّل ما يطالعنا في هذا النّوع من التّوليد هو اللغة نفسها؛ الّتي كثُر القول في أصلها ونشأتها. ولم يصل علماؤنا إلى قرار صائب في أصلها. فابن جنّيّ ينقل عن أهل النّظر أنّها تواضع واصطلاح، ثمّ يعتقد في موضع آخر بأنّها توقيف ووحي (15) . ويصرّح في موضع ثالث بجواز الأمرين منبّهًا على مسألة أساسيّة وهي التتابع والزّيادة فيها، فيقول:"فإنّها لا بدّ أن يكون وقع في أوّل الأمر بعضها، ثمَّ احتيج فيما بعد إلى الزّيادة عليه لحضور الدّاعي إليه، فزيد فيها شيئًا فشيئًا" (16) .

ويذهب السّيوطيّ إلى شيءٍ من ذلك فيقول:"... إنَّ اللغة لم توضع كلُّها في وقتٍ واحد، بل وقعت متلاحقةً متتالية... وإنَّ أوّلَ ما وضع منها وضع على خلاف... ثمَّ أحدثوا من بعد أشياء كثيرة للحاجة إليها..." (17) .

وسواءٌ أكان أصلها الخلق أم الوضع أم التّتابع أم الزّيادة... فإنّها لا تخرج عن مصطلحٍ من المصطلحات الّتي يمكن حملها على التّوليد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت