الصفحة 5 من 32

والعربيّة واحدة من اللغات الّتي نحت منحى التّوليد أو التّحويل منذ قرون مضت. وقبل أن يكتب علماء العصور المتأخّرة كتب علماؤها وأضاؤوا جوانب اتّساعها وتوليدها ومرونتها. ويبدو ذلك جليًّا واضحًا في إلحاحهم على مصطلحاتٍ يفهم منها غزارة المادّة، والتّوليد غير المتناهي للتّراكيب والمفردات على حدّ سواء، وتتابعها، وثرائها؛ مع محافظتهم على المعنى سليمًا وملائمًا للّفظ. وأهمّ هذه المصطلحات: سَعَة كلام العرب، والارتجال، والقياس، وحدود اللغة، والنّحو، والاستنباط، والعناية بالألفاظ والمعاني... إلخ.

فابن جنيّ يرى أنّ اللغات (اللهجات) تبقى حجّةً وإنِ اختلفت وذلك بناء على سعة القياس على كلام العرب (8) . ويرى في موضع آخر أنّ للإنسان أن يرتجل من المذاهب ما يدعو إليه القياس (9) . ولا يخفى على أحدٍ ما أقرّه في حدود اللغة:"أمّا حدُّها فإنّها أصوات يعبّر بها كلّ قومٍ عن أغراضهم" (10) . وما هذه الأصوات إلاّ مادّةٌ أوّليّة تستخدم في بناء ما يُراد بناؤه. ويروي عن رؤبةَ وأبيه العجّاج أنّهما كانا يرتجلان ألفاظًا لم يسمعاها ولا سُبِقا إليها (11) .

وابنُ فارس ينقل عن بعض الفقهاء قوله:"كلام العرب لا يحيط به إلاّ نبيّ"، ويضيف قائلًا:"وما بلغنا أنَّ أحدًا ممّن مضى ادّعى حفظ اللغة كلِّها" (12) .

ويروى عن الإمام الشّافعيّ - رحمه الله - قوله في ذلك:"لسان العرب أوسعُ الألسنة مذهبًا وأكثرها ألفاظًا، ولا نعلم أن يحيط بجميع علمه إنسان غير نبيّ" (13) .

ويرى السّيوطيّ أنّ الطّريق إلى المعرفة إمّا نقل محض، وإمّا استنباط العقل من النّقل (14) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت