يصور الشاعر لنا بطولته الفذة في قتل ذلك القائد الفارسي بزرجمهر فقد (حباه) أي أعطاه القعقاع ( جياشة بالنفس ) أي طعنة قاتلة، وهي التي تجيش في صدر المطعون من رمح أو سيف، ونراه يشبه الرمح بالشعاع والنور الذي يبهر الأنوار، باعتبار هذا الرمح أداة الدفاع عن الإسلام، دين النور والإشراق فقد اكتسى هذا السلاح معنى النور والإشراق، لأنه أداة الدفاع عن الخير والنور الذي أتى به الدين الجديد، وبهذا التصوير للرمح يخبرنا القعقاع أنه ذو خبرة قديمة ودراية واسعة بالحرب والطعن حتى اعتاد على إشراق الرمح وطعن الأعداء به، وذلك اليوم
( يوم أغواث ) كان عصيبًا على الفرس وخاصة بعد أن قتل القعقاع فارسهم وقائدهم بزرجمهر فألحق بعموم الفرس ذلًا كبيرًا وخيبةً ما بعدها خيبة، فكيف لا يفخر القعقاع بعد ذلك بهذا المجد الهائل، إذ قتل سيدًا يُعَدُّ شعارًا ورمزًا للأعداء، بل أصبح ذلك اليوم أذلّ الأيام عندهم لمقتل قائدهم الذي كانوا يعدون عزتهم بعزته وذلهم بذله.
وهكذا شأن كل الشعراء الفاتحين في اعتدادهم بذواتهم المتفردة فقد (جاء شعرهم خاليًا من أية محاولة مصنوعة للتعمل وتوافرت عناصر الصدق وحرارة التعبير، والاقتدار على التأثير، بما لها من سماحة الطبع وجيشان العاطفة وعذوبة التعبير دون إلحاح على تصوير بياني دقيق أو تصيد لتشبيه أو تعسف لاستعارة، وإنما بتعبيره البسيط، في صوره البسيطة تضمن الأداء على أي وجه اتفق) [1] .
(1) شعر الفتوح الإسلامية: النعمان القاضي: ص340.