وكأن الإيمان والإسلام أوقد في نفس الشاعر هذه الصور الرائعة، ( فمن المشاعر الإسلامية الخطيرة التي شاع أثرها في شعر ما ركزه الإسلام في العرب من إحساس بالقوة، وما أثمره عمق إيمانهم من اعتداد بأنفسهم، وتقدير لذواتهم واستهانة بقوى الباطل، لإيمانهم بأنهم على حق وفي سبيله) [1] .
ونلاحظ أنَّ هذه الأبيات تحوي صورًا جزئية تتركب مع بعضها في رحم القصيدة لتنجب صورة متينة الأعضاء، متكاملة الخلق، ولا انفصال بين هذه الأجزاء (فإذا انفصلت الصورة الجزئية عن مجموعة الصور الأخرى المكونة للقصيدة فقدت دورها الحيوي في الصورة العامة، أما إذا تساندت مع مجموعة الصور الأخرى أكسبها هذا التساند الحيوية والخصب) [2] .
وها هو شاعر الفتح الإسلامي القعقاع يزحف في القادسية يوم أغواث ثلاثين زحفًا يقتل في كل زحف فارسًا فارسيًا، فيقول مفتخرًا بذاته المتفردة المنطوية تحت لواء الإسلام، وبقتله القائد الفارسي بزرجمهر [3] :
حَبوتُهُ جَيّاشَةٌ بالنَّفسِ ... ... هَدّارةً مثلَ شُعاعِ الشّمسِ [4]
في ليلِ أغواثَ قتيلُ الفرسِ ... ... أنخسَ بالقومِ أشدَّ النّخسِ [5]
(1) شعر الفتوح الإسلامية في صدر الإسلام: د. النعمان عبد المتعال القاضي ص305.
(2) التفسير النفسي للأدب: د. عز الدين اسماعيل ص100.
(3) مروج الذهب: المسعودي: 2/314
(4) جياشة: جاشت النفسُ: فاضت: لسان العرب (جَيَشَ) .
(5) أنخَسَ: نخسَ الدابة عرز جانبها أو مؤخرها بعود: لسان العرب (نَخَسَ) .