الصفحة 12 من 19

لعلّ الدارس للشعر والناقد له يدرك إدراكًا تامًا أن العملية الشعرية تحتاج إلى دوافع وشروط لنجاحها، فالشعر عملية معقدة، وليست بسيطة، إذ له مقوماته التي يرتكز عليها، ولا يمكن لنا بحالٍ من الأحوال أن نفصل الشاعر عن محيطه المعيش، فالمحيط هو أحد أهم دعائم قول الشعر، وما الشعر إلا مرآة للواقع، ونقل لنفس الشاعر إلى الخارج، وقد عالج كثير من الدارسين أسس الإبداع، ودور ذات الشاعر وتجاربها في إنجاح الشعر، فلكل شاعر ذاتيته الخاصة المنفصلة عن ذاتية سواه، ولم يغفل الأقدمون بحث الذات الشاعرة في دراساتهم المستفيضة للشعر ودوافعه، ولعل من أهم من عالجوا هذا الموضوع الجاحظ: إذ نراه يقول: ( وليس في الأرض إنسانٌ إلا وهو يطرب من صوت نفسه) [1] .

ولعل تمجيد الذات المتفردة مأثر جاهلي اعتاد عليه كثير شعراء الجاهلية وقد ظل الناس يعتزون بهذا المأثر، على الرغم من ظهور الإسلام وأحداثه العظيمة و هذا الفخر بالذات اكتسى حلة أخرى في العصر الإسلامي، ولكنّ (الناس بمآثر العرب في الجاهلية أشد كلفًا. ..، فما بال أيام الإسلام ورجالها لم تكن أكبر في النفوس وأجل في الصدور من رجال الجاهلية مع قرب العهد، وعظم خطر ما ملكوا، وكثرة ما جادت به أنفسهم [2] .

ولكن الجهاد الإسلامي أفرز أبطالًا لم نرهم في الجاهلية، والمسلمون (كانوا في أثناء هذا الجهاد ينظمون أناشيد حماسية مدوّية، يتغنون فيها بانتصاراتهم ويمتدحون شجاعتهم وما يؤدون لله ودينه) [3] .

ولعلي لا أبتعد عن موضوعي عندما بحثتُ قليلًا في الذات الإنسانية، لأنهُ لا انفصال في بحثي هذا بين الصورة والذات، فالصورة وليدة الذات وتجاربها المعيشة وبحثي يتناول (صورة الذات المتفردة) وإن كانت هذه الصورة قديمة.

(1) الحيوان: (2 / 106) .

(2) الحيوان الجاحظ: (2/108) .

(3) العصر الإسلامي: شوقي ضيف: 62.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت