ولا أريد أَنْ أمضيَ في الحديث عن التّوهّم في مسائل اللّغة، أو في مناقشتها أو في استقصائها في القرآن الكريم؛ لأنّ ذلك ليس بغيتي في هذا البحث، وإنّما أريد أنْ أبيّن أنّها محطّ اختلاف بين النَّحْويّين، تولّد عنه تنوّعٌ في المعاني، وتعدّدٌ في الدّلالات التي تحملها الآية الواحدة، وسأختار من الأمثلة ما هو محمول على التوهّم أو المعنى في غير العطف، ومن ذلك قوله تعالى: {قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} [1] ، ففي حذف النّون من قوله"يقيموا الصلاة"، وما عطف عليه آراء ومذاهب وأوجه، اضطربت فيها أقوال النَّحْويّين:
أحدها: أنّ"يقيموا"مجزوم بلام أمر مقدّرة؛ أي"ليقيموا" [2] ، فحذفت وبقي عملها، كما يحذف الجارّ ويبقى عمله [3] ، وهو رأي الزّجّاج، وجماعة [4] ، على حدّ قول الشاعر [5] :
(1) سورة إبراهيم، الآية31.
(2) الدّرّة، محمّد علي طه، تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، مج7، ص239.
(3) الحلبيّ، أحمد بن يوسف، الدّرّ المصون، ج7، ص104.
(4) الآلوسيّ، شهاب الدِّين، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسّبع المثاني، قرأه وصحّحه محمّد حسين العرب، مج8، ج13، دار الفكر، بيروت - لبنان، د.ت، ص319.
(5) لم يذكر سيبويه صاحب البيت في"الكتاب". سيبويه، عمرو بن عثمان، الكتاب (مؤسّسة الرّسالة) ، ج4، ص119.
وهو لأبي طالب عمّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، أو للأعشى في خزانة الأدب -وليس في ديوانِ الأعشى- وذكر البغداديّ أنّ المبرّد لا يعرف قائله، وكانَ يلحّنه، ولا يحتجّ به. البغداديّ، عبد القادر بن عمر، خزانة الأدب ولبّ لباب لسان العرب، ج9، ص11-106.
ولَمْ يذكر ابن هشام اسمه، وأجاز حذف"الّلام"في الشّعر، مع بقاء عملها، وذكر محقّقو كتابه"مغني الّلبيب"أنّه لحسّان، وليس في ديوانِهِ. الأنصاريّ، جمال الدِّين بن هشام، مغني الّلبيب عن كتب الأعاريب، 297.