ومن أمثلة ذلك في القرآن الكريم قوله تعالى: {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ} [1] ؛ حيث يتوقّف معنى الآية الكريمة، وتأويلها النّحويّ، على طريقة نطقها؛ فإذا كانتِ الّلهجة الخطابيّة مرتفعةً فهذا يعني أنّ في الكلام حذفًا لهمزة الاستفهام، والكلامُ بذلك إنشائيٌّ بالاستفهام، والتّقدير:"أَوَتِلْكَ نعمةٌ تمنُّها عليَّ"، وهذا ما لم يُجِزْهُ مِنَ النَّحْويّين إلاّ الأخفش [2] ، وأمّا غيره فلم يجزه إلاّ قبل"أم"، كقول الشّاعر [3] :
لَعَمْرُكَ مَا أَدْرِي وَإِنْ كُنْتُ دَارِيًَا ... بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ، أَمْ بِثَمَانِ؟
أي:"أبسبعٍ"، وهذا ما نصّ عليه سيبويه في"الكتاب" [4] ؛ وإذا كانت النّغمة منخفضةً هادئةً لا انفعال فيها، كانت الجملة خبريّة يُراد بها التّهكّم والسّخرية؛ أي:"إِنْ كان ثَمَّ نعمةٌ، فليستْ إلاّ أنّك جَعَلْتَ قومي عبيدًا" [5] .
(1) {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَّ بَنِيْ إِسْرَائِلَ} . سورة الشّعراء، الآية 22.
(2) الأخفش الأوسط، سعيد بن مسعدة، معاني القرآن، تحـ. د. فائز فارس، ج2، ط2، الكويت، 1401هـ-1981م، ص426.
(3) البيت في"الكتاب"نسبه سيبويه إلى عمر بن أبي ربيعة. سيبويه، عمرو بن عثمان، الكتاب (مؤسّسة الرّسالة) ، ج4، ص351.
وكذلك في خزانة الأدب. البغداديّ، عبد القادر بن عمر، خزانة الأدب ولبّ لباب لسان العرب، ج4، ص447.
وهو في ديوانِهِ، ورواية الدِّيوان:"فواللهِ ما أدري، وإنّي لَحاسِبٌ". ابن أبي ربيعة، عمر، الدِّيوان، ص257.
(4) سيبويه، عمرو بن عثمان، الكتاب (مؤسّسة الرّسالة) ، ج4، ص351.
(5) الحلبيّ، أحمد بن يوسف، الدّرّ المصون، ج8، ص517.