ولعلّ خير مثال على ضرورة التّيقّظ وعدم التّسرّع ومراعاة مقام النصّ القرآنيّ والنّظر إلى المعنى، لا الجري وراء ظاهر الّلفظ وحسب، قوله تعالى: {لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا} [1] ، فمجيء"المقيمين"بالياء خلافًا لنسق ما قبله لفتَ أنظار النحويّين والمفسّرين والقُرّاء، فأكثروا القول في توجيهه، مع إجماعهم على صحّته، ومن هنا اختلفت آراؤهم فيه، وسأقتصر على ذكر ما قلّ ودلّ منها، توخّيًا للإيجاز المفهم؛ مجملًا اضطراب أقوال النحويّين في ستّة أقوال:
أظهرها: أنّه منصوب على القطع- وهو مذهب سيبويه [2] ، وعزاه أبو البقاء [3] للبصريّين-ويعني المفيد للمدحِ [4] ، كما في قطع النعوت، وعلى هذا الوجه الإعرابيّ يكون المعنى بيان فضل الصلاة [5] ، وقال سيبويه في باب"ما ينتصب في التعظيم والمدح": «إنْ شئت جعلته صفة فجرى على الأول، وإنْ شئت قطعته فابتدأته... ولو ابتدأته فرفعته، كان حسنًا» [6] ، واستشهد على ذلك بقول الأخطل [7] :
(1) سورة النساء، الآية 162.
(2) سيبويه، عمرو بن عثمان، الكتاب، تحـ. عبد السّلام هارون، ج2، دار القلم، القاهرة، 1966م، ص58.
(3) العكبريّ، أبو البقاء، إملاء ما منّ به الرحمن من وجوه الإعراب والقراءات، ج1، المطبعة الميمنية، مصر، 1321هـ، ص202.
(4) الحلبيّ، أحمد بن يوسف، الدرّ المصون، ج4، ص153.
(5) الزّمخشريّ، محمود بن عمر، الكشاف، ج1، ص623.
(6) سيبويه، عمرو بن عثمان، الكتاب (دار القلم) ، ج2، ص57.
(7) الأخطل، غيّاث بن غوث، ديوان الأخطل، شرح راجي الأسمر، ط1، دار الكتاب العربيّ، بيروت، 1992م، ص167-169.