ومَنْ جعله إسرائيليًا، ففيه بعد؛ لأنّه يقال كتمه أمر كذا، ولا يقال كتم منه، كقوله تعالى: {وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثًا} [1] ، وأيضًا ما كان فرعون يحتملُ من بني إسرائيل مثل هذا القول [2] .
ومن يتدبّر معنى هذه الآية يدرك تمامًا أنّه بالإعراب تتوضّح المعاني، وتنكشف الأغراض، فقد قدّم تعالى"من آل فرعون"، على:"يكتم إيمانه"؛ لئلا يظنَّ ظانٌّ أنّه متعلق به فيلتبس المعنى، ويختلّ المقصود [3] ، والذي أكّد ذلك أنّ الفعل"يكتم"يتعدى إلى مفعوله بنفسه، ولا يحتاج إلى حرف الجر"من". ففي الآية السّابقة ثلاثة نعوت، قدّم أهمّها، وهو"مؤمن"، وأخّر النعت الجملة (يكتم إيمانه) منعًا من الالتباس، ومراعاةً لحسن النظم معًا؛ إذ يمكنُ إجمال صور التركيب الممكنة فيما يلي:
1ـوقال رجلٌ مؤمنٌ من آلِ فرعونَ يكتمُ إيمانه.
2ـوقال رجلٌ مؤمنٌ يكتم إيمانه من آل فرعون.
3ـوقال رجل من آل فرعونَ مؤمنٌ يكتم إيمانه.
4ـوقال رجل من آل فرعونَ يكتم إيمانه مؤمنٌ.
5ـوقال رجلٌ يكتم إيمانه من آل فرعون مؤمنٌ.
6ـوقال رجلٌ يكتم إيمانه مؤمنٌ من آل فرعونَ.
فمن هذه الجمل الستّ، الجملة الثّانية والخامسة ممنوعتان، لوقوع الالتباس فيهما، والثّالثة والرّابعة والسّادسة جائزات بحسب الّلغة، إلاّ أنّ البلاغة تنكرهنّ لتقدّم غير الأهمّ فيهنّ على الأهمّ [4] .
مقام النصّ:
(1) سورة النساء، الآية 42.
(2) القرطبيّ، أبو عبد الله، الجامع لأحكام القرآن، ج15، ص307.
(3) السُّبْكي، بهاء الدين، عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح، ج2، مطبعة عيسى البابيّ الحلبيّ وشركاه، القاهرة، د.ت، ص66-67.
(4) ضومط، جبر، الخواطر الحسان، ص66-67.